محمد متولي الشعراوي
748
تفسير الشعراوي
وتغير كل ذلك عندما دخل في الإسلام ، فقد أخرجه الإيمان من هذا النعيم إلى بؤس المؤمنين الأولين لدرجة أنه كان يلبس جلد حيوان ويراه رسول اللّه في هذا الضنك فيقول : « أنظروا كيف فعل الإيمان بصاحبكم » . وعندما جاءت معركة بدر التقى مع أخيه « أبى عزيز » الذي ظل على دين قريش ، والتقى الاثنان في المعركة ، مصعب في معكسر المؤمنين ، وأبو عزيز في جيش المشركين . وأثناء المعركة رأى أخاه أبا عزيز أسيرا مع أبي اليسر وهو من الأنصار ؛ فالتفت مصعب إلى أبى اليسر ، وقال : يا أبا اليسر اشدد على أسيرك فإن أمه غنية وستفديه بمال كثير . فالتفت إليه أبو عزيز وقال : يا أخي أهذه وصاتك بأخيك ؟ قال مصعب : لا لست أخي وإنما أخي هذا . وأشار إلى أبى اليسر . لقد انتهى نسب الدم وأصبح نسب الإيمان هو الأصل ، وأصبح مصعب أخا لأبى اليسر في الإيمان ، وانقطعت صلته بشقيقه في النسب لأنه ظل مشركا . وقوله تعالى : « فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ » كأنه يحث ولى الدم على أن يعفو ولا ينسى أخوة الإيمان . صحيح أنه ولى للمقتول ؛ لأنه من لحمته ونسبه ، ولكن اللّه أراد أن يجعل أخوة الإيمان فوق أخوة الدم . « فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ » . وقد أورد الحق الأخوة هنا لترقيق المشاعر ، لينبه أهل القاتل والقتيل معا أن القتل لا يعنى أن الأخوة الإيمانية انتهت ، لا . إن على المؤمنين أن يضعوا في اعتبارهم أن أخوة الإيمان قد تفتر رابطتها . وحين يتذكر أولياء الدم أخوة الإيمان ، فإن العفو يصبح قريبا من نفوسهم . ولنا أن نلاحظ أن الحق يرفعنا إلى مراتب التسامى ، فيذكرنا أن عفو واجد من أولياء الدم يقتضى أن تسود قضية العفو ، فلا يقتل القاتل . وبعد ذلك لننظر إلى دقة الحق في تصفية غضب القلوب حين يضع الدية مكان