محمد متولي الشعراوي
749
تفسير الشعراوي
القصاص بالقتل . إن الدية التي سيأخذها أولياء الدم من القاتل قد تكون مؤجلة الأداء ، فقد يقدر القاتل أو أهله على الأداء العاجل ، لذلك فعلى الذي يتحمل الدية أن يؤديها ، وعلى أهل القتيل أن يتقبلوا ذلك بالمعروف ، وأن تؤدى الدية من أهل القاتل أو من القاتل نفسه بإحسان . وقوله الحق : « عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ » ، « شئ » تدل على أن أولياء المقتول إن عفا واحد منهم فهو عفو بشئ واحد ، وليس له أن يقتص بعد ذلك ، وتنتهى المسألة ويحقن الدم ، ولم يرد اللّه أن يضع نصا بتحريم القصاص ، ولكن أراد أن يعطى ولى الدم الحق في أن يقتل ، وحين يصبح له الحق في أن يقتل ؛ فقد أصبحت المسألة في يده ، فإن عفا ، تصبح حياة القاتل ثمرة من ثمرات إحسانه ، وإن عاش القاتل ، لا يترك هذا في نفس صاحب الدم بغضاء ، بل إن القاتل سيتحبب إليه لأنه أحسن إليه ووهبه حياته . لكن لو ظل النص على قصاص أهل القتيل من القاتل فقط ولم يتعده إلى العفو لظلت العقدة في القلب . والثارات الموجودة في المجتمعات المعاصرة سببها أننا لم نمكن ولى الدم من القاتل ، بدليل أنه إذا ما قدر قاتل على نفسه وذهب إلى أهل القتيل ودخل عليهم بيتهم ، وبالغ في طلب العفو منهم ، وأخذ كفنه معه وقال لهم : جئتكم لتقتصوا منى ، وهذا كفنى معي فاصنعوا بي ما شئتم ، لم يحدث قط أن أهل قتيل غدروا بقاتل ، بل المألوف والمعتاد أن يعفوا عنه ، لماذا ؟ لأنهم تمكنوا منه وأصبحت حياته بين أيديهم ، وفي العادة تنقلب العداوة إلى مودة . فيظل القاتل مدينا بحياته للذين عفوا عنه . والذين يعرفون ذلك من أبناء القاتل يرون أن حياة أبيهم هبة وهبها لهم أولياء القتيل وأقرباؤه ، يرون أن عفو أهل القتيل هو الذي نجّا حياة قريبهم ، وهكذا تتسع الدائرة ، وتنقلب المسألة من عدواة إلى ود .