محمد متولي الشعراوي
747
تفسير الشعراوي
بتقنين تشريع القصاص قضية يريد أن يميت فيها لدد الثأر وحنق الحقد . فساعة تسمع كلمة قصاص وقتل ، فمعنى ذلك أن النفس مشحونة بالبغضاء والكراهية ، ويريد أن يصفى الضغن والحقد الثأرى من نفوس المؤمنين . إن الحق جل وعلا يعطى لولى الدم الحق في أن يقتل أو أن يعفو ، وحين يعطى اللّه لولى الدم الحق في أن يقتل ، فإن أمر حياة القاتل يصبح بيد ولى الدم ، فإن عفا ولى الدم لا يكون العفو بتقنين ، وإنما بسماحة نفس ، وهكذا يمتص الحق الغضب والغيظ . وبعد ذلك يرقق اللّه قلب ولى الدم فيقول : « فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ » . وإذا تأملنا قوله : « فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ » فلنلاحظ النقلة من غليان الدم إلى العفو . ثم المبالغة في التحنن ، كأنه يقول : لا تنس الأخوة الإيمانية « فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ » . وساعة يقول الحق كلمة « أخ » فانظر هل هذا الأخ اشترك في الأب ؟ مثل قوله تعالى : « وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ » . ثم يرتقى بالنسب الإيمانى إلى مرتبة الأخوة الإيمانية ، فيقول : « إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ » يعنى إياكم أن تجعلوا التقاء النسب المادي دون التقائكم في القيم العقائدية . والأصل في الأخ أن يشترك في الأب مثل : « وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ » ، فإن كانوا إخوة من غير الأب يسمهم إخوانا ، فإن ارتقوا في الإيمان يسمهم إخوة . وعندما وصفهم بأنهم إخوان قال : « وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً » . لقد كانت بينهم حروب وبغضاء وشقاق ، لم يصفهم بأنهم إخوة ؛ لأنهم لا زالوا في الشحناء ، فوصفهم بأنهم إخوان ، وبعد أن يختمر الإيمان في نفوسهم يصبحون إخوة . ولننظر في غزوة بدر ، هاهو ذا مصعب بن عمير ، كان فتى قريش المدلل والمنعّم الذي كانت تفوح منه رائحة العطر وملابسه من حرير ؛ كان ذلك قبل إسلامه ،