محمد متولي الشعراوي
727
تفسير الشعراوي
ويقول الحق بعد ذلك : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 176 ] ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ ( 176 ) وذلك إشارة إلى ما تقدم ، وما تقدم هو الضلالة التي أخذوها وتركوا الهدى ، والعذاب الذي أخذوه بدلا من المغفرة ، ونار يعذبون فيها ، وقد صبروا عليها ، إنها ثلاثة أشياء ملتقية ؛ العذاب ، والضلالة ، والنار . فالضلال هو السبب الأصيل في العذاب ، فإذا قال اللّه : عاقبتهم بكذا لأنهم ضلوا ، فذلك صحيح ، وإذا قال : فعلت فيهم ذلك لأنهم استحقوا العذاب ، فهو صادق ، والعذاب كحكم عام يكون بالنار . إذن ، عندما يقول الحق : بالنار أو بالعذاب أو بالضلال فمرجعها جميعا واحد ، يقال عنه : « ذلك » . « ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ » والذي يغير الكتاب ويكتمه إنما يكره الحق . « وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ » . إنها هوة واسعة يسقطون فيها ، فالشقاق في القيم المنهجية السماوية هو هوة كبيرة ، فلو كان الخلاف في أمور مادية لأمكن للبشر أن يتحملوها فيما بينهم ، ولكانت مسألة سهلة . ولكن الخلاف في أمر قيمي لا يقدر البشر على أن يصلحوه فيما بينهم ، من هنا فإن شقة الخلاف واسعة ، ولا يقوى على حلها إلا اللّه ، ولذلك قال سبحانه : إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ( من الآية 3 سورة الزمر )