محمد متولي الشعراوي
726
تفسير الشعراوي
بالمغفرة . وعندما ترى فظاعة العقاب فلا تستهوله ، ولكن انظر إلى فظاعة الجرم . إن الناس حين يفصلون الجريمة عن العقاب فهم يعطفون على المجرم ؛ لأنهم لا يرون المجرم إلا حالة عقابه ومحاكمته ونسوا جريمته ، ولذلك فساعة ترى عقوبة ما وتستفظعها ؛ فعليك استحضار الجرم الذي أوجب تلك العقوبة . ولذلك نجد الناس غالبا ما يعطفون على كل المجرمين الذين يحاكمون وتصدر عليهم عقوبات صارمة ، لأن الجريمة مرّ عليها وقت طويل ، ولم نرها ، وآثارها وتبعاتها انتهت . ولم يبق إلا المجرم ؛ فيعطفون عليه ، ولذلك فمن الخطأ أن تطول الإجراءات في المحاكمات ، بل لا بد من محاكمة المجرم من فور وقوع الجريمة وهي ساخنة ؛ حتى لا يعطف عليه الجمهور ، لأن تعطيف قلب الجمهور عليه يجعل العقوبة قاسية . « أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى » ونعرف أن « الباء » تدخل على المتروك ، فالضلالة هنا أخذت وترك الهدى ، واستبدلوا العذاب بالمغفرة ، وما داموا قد أخذوا الضلالة بدلا من الهدى ، والعذاب بدلا من المغفرة ، فالعدالة أن يأخذوا العذاب الأليم . وبعد ذلك يقول الحق : « فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ » هذا تبشيع للعقاب حتى ينفّر منه الناس . ويريد منا اللّه أن نتعجب ، كيف يجوز للضال أن يترك الهدى ويأخذ الضلال ، وبعد ذلك تكون النتيجة أن يأخذ العذاب ويترك المغفرة . فما الذي يعطيه الأمل في أن يصبر على النار ؟ ، هل عنده صبر إلى هذا الحد يجعله يقبل على الذنب الذي يدفعه إلى النار ؟ . وما الذي جعله يصبر على هذا العذاب ؟ أعنده قوة تصبّره على النار ؟ وما هذه القوة ؟ . وكأن الحق يقول : أنت غير مدرك لما ينتظرك من الجزاء وإلا ما الذي يصبرك على هذه النار ؟ إنك تتمادى في طغيانك وضلالك ، وتنسى أن النار ستكون من نصيبك ؛ فإذا كنت متيقنا أن النار من نصييك ؛ فكيف أخذت أمانا من صبرك على النار . فالنار أمر لا يصبر عليه إنسان أبدا .