محمد متولي الشعراوي
722
تفسير الشعراوي
وما نفعهم في ذلك ؟ . لا بد أن يوجد نفع لهم ، هذا النفع لهم هو الثمن القليل ، مثل « الرشا » ، أو الأشياء التي كانوا يأخذونها من أتباعهم ليجعلوا أحكام اللّه على مقتضى شهوات الناس . فاللّه يبين لهم : أن الشئ لا يثمن إلا بتثمين من يعلم حقيقته ، وأنتم تثمّنون منهج اللّه ، ولا يصح أن يثمّن منهج اللّه إلا اللّه . ولذلك يجب أن يكون الثمن الذي وضعه اللّه لتطبيق المنهج ثمنا مربحا مقنعا لكم ، فإن أخذتم ثمنا على كتمان منهج اللّه وأرضيتم الناس بتقنين يوافق أهواءهم وشهواتهم ، فقد خسرتم في الصفقة ؛ لأن ذلك الثمن مهما علا بالتقدير البشرى ، فهو ثمن قليل وعمره قصير . والأثمان عادة تبدأ من أول شئ يتعلق بحياة الإنسان هو قوام حياته من مأكل ومشرب ، لذلك قال اللّه سبحانه وتعالى : « أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ » وإذا كانوا يأكلون في بطونهم نارا فكيف يكون استيعاب النار لكل تلك البطون ؟ لأن المؤمن كما قال الرسول يأكل في معي واحد ، والكافر يأكل في سبعة أمعاء ، أي أن الكافر لا يأكل إلا تلذذا بالطعام ؛ فهو يريد أن يتلذذ به دائما حتى يضيق بطنه بما يدخل فيه . لكن المؤمن يأخذ من الطعام بقدر قوام الحياة ، فسيد الخلق محمد ابن عبد اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول في الحديث الشريف : « حسب ابن آدم لقيمات يقمن أوده » « 1 » إذن فالأكل عند المؤمن هو لمقومات الحياة وكوقود للحركة ، ولكن الكافر يأخذ الأكل كأنه متعة ذاتية . والحق يقول : « أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ » يعنى كما أرادوا امتلاء بطونهم شهوة ولذة ، فكذلك يجعل اللّه العذاب لهم من جنس ما فعلوه بالثمن القليل الذي أخذوه ، فهم أخذوا ليملأوا بطونهم من خبيث ما أخذوا وسيملأ اللّه بطونهم نارا ، جزاء وفاقا لما فعلوا ، وهذا لون من العقاب المادي يتبعه لون آخر من العقاب هو « وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ » أي أن الحق ينصرف عنهم يوم لا أنس للخلق إلا بوجه الحق .
--> ( 1 ) هذا الحديث أخرجه المنذري في الترغيب والترهيب والزبيدي في إتحاف السادة المتقين والقرطبي في تفسيره والكحال في الأحكام النبوية في الصناعة الطبية .