محمد متولي الشعراوي

1295

تفسير الشعراوي

للكافرين ويقول لهم : ستغلبون وتحشرون . لكن من يدريهم أن هذا الكلام ليس من عند محمد وهو بشر ؟ لذلك يبلغهم الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أن اللّه أبلغه أن يبلغهم بقوله : « قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ » . إن الرسول لم يبلغهم بمقول القول : لا ، إنما أبلغهم نص البلاغ الذي أبلغه به اللّه . وساعة يأمر الحق في قرآنه رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم أن يبلغ أمرا للكافرين فإن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم مخاطب ، والكفار مخاطبون ، فعندما يواجههم فإنه يقول لهم : ستغلبون . . وفي آية أخرى يقول الحق : قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ ( 38 ) ( سورة الأنفال ) إن القياس أن يقول : إن تنتهوا يغفر لكم ما قد سلف ، لكن الحق قال : « إِنْ يَنْتَهُوا » ، فكأن اللّه حينما قال كان الكفار غير حاضرين للخطاب ورسول اللّه هو الحاضر للخطاب ، واللّه يتكلم عن غائبين . ولكن اللّه - سبحانه - في هذه الآية التي نحن بصددها يحمل الرسول تمام البلاغ . فمرة يكون النفل من الآمر الأول كما صدر منه سبحانه كقوله : « إِنْ يَنْتَهُوا » ومرة يأمره الآمر الأول أن يبلغ الكلمة التي يكون بها مخاطبا أي لا تقل : سيغلبون وقل : « سَتُغْلَبُونَ » لأنك أنت الذي ستخاطبهم . وهذه الدقة الأدائية لا يمكن إلا أن تكون من قادر حكيم . إنه بلاغ إلى كفار قريش أو إلى مطلق الذين كفروا . والغلب سيكون في الدنيا ، والحشر يكون في الآخرة . فإذا ما كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ينقل النص القرآني « سَتُغْلَبُونَ » فمتى قالها رسول اللّه ؟ لقد قالها والمسلمون قلة لا يستطيعون حماية أنفسهم ، ولا يقدرون على شئ . وكل مؤمن يحيا في كنف آخر ، أو يهاجر إلى مكان بعيد . فهل يمكن أن يأتي هذا البلاغ إلا ممن يملك مطلق الأسباب ؟