محمد متولي الشعراوي

1296

تفسير الشعراوي

لقد قالها الرسول مبلغا عن اللّه ، والمسلمون في حالة من الضعف واضحة ، وما دام قد قالها ، فهي حجة عليه ، لأنّ من أبلغه إياها وهو اللّه قادر على أن يفعلها . « قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ » ليس العقاب في الدنيا فقط ، ولكن في الآخرة أيضا « وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ » هذه المسألة بشارة لرسول اللّه ولأصحابه ، وإنذار للكافرين به ، ويتم تحقيقها في موقعة بدر . فسيدنا عمر بن الخطاب لما نزل قول اللّه : سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ( 45 ) ( سورة القمر ) تساءل عمر بن الخطاب : أي جمع هذا ؟ إنه يعلم أن المسلمين ضعاف لا يقدرون على ذلك ، وأسباب انتصار المسلمين غير موجودة ، ولكن رسول اللّه لم يكن يكلم المؤمنين بالأسباب ، إنما برب الأسباب ، فإذا ما تحدى وأنذرهم ، مع أنه وصحبه ضعاف أمامهم ، فقد جاء الواقع ليثبت صدق الحق في قوله : « سَتُغْلَبُونَ » ويتم انتصار المسلمين بالفعل ، ويغلبون الكافرين . ألا يجعل صدق بلاغ الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم فيما يحدث في الدنيا دليل صدق على ما يحدث في الآخرة ؟ إن تحقيق « سَتُغْلَبُونَ » يؤكد « وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ » . وفي هذه الآية شيئان : الأول ؛ بلاغ عن هزيمة الكفار في الدنيا وهو أمر يشهده الناس جميعا ، والأمر الآخر هو في الآخرة وقد يكذبه بعض الناس . وإذا كان الحق قد أنبأ رسوله بأنك يا محمد ستغلب الكافرين وأنت لا تملك أسباب الغلبة عليهم . ومع ذلك يأتي واقع الأحداث فيؤكد أن الكافرين قد تمت هزيمتهم . وما دام قد صدق الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم في البلاغ عن الأولى ولم يكن يملك الأسباب فلا بد أن يكون صادقا في البلاغ في الثانية وهي البلاغ عن الحشر في نار جهنم . وبعض المفسرين قد قال : إن هذه المقولة لليهود ؛ لأن اليهود حينما انتصر المسلمون في بدر زلزلوا زلزالا شديدا ، فلم يكن اليهود على ثقة في أن الإسلام والمسلمين سينتصرون في بدر ، فلما انتصر الإسلام في بدر ؛ قال بعض اليهود : إن محمدا هو الرسول الذي وعدنا به اللّه والأولى أن نؤمن به فقال قوم منهم : انتظروا إلى معركة أخرى . أي لا تأخذوها من أول معركة ، فانتظروا ، وجاءت معركة أحد ،