محمد متولي الشعراوي
1284
تفسير الشعراوي
والحكمة ، والمؤمن الحق هو من يؤمن بالآمر وإن لم يفهم . والراسخون في العلم يقولون : آمنا به ، كل من عند اللّه ، المحكم من عند ربنا والمتشابه من عند ربنا . ويضيف سبحانه : « وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ » و « أُولُوا الْأَلْبابِ » أي أصحاب العقول المحفوظة من الهوى ، لأن آفة الرأي الهوى ، والهوى يتمايل به . « وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ » و « اللب » هو : العقل ، يخبرنا اللّه أن العقل يحكم لبّ الأشياء لا ظواهر الأشياء وعوارضها ، فهناك أحكام تأتى للأمر الظاهر ، وأحكام للبّ . الحق يأمر بقطع يد السارق . وبعد ذلك يأتي من يمثل دور حامى الإنسانية والرحمة ويقول : « هذه وحشية وقسوة » ! هذا ظاهر الفهم ، إنما لبّ الفهم أنى أردت أن تقطع يد السارق حتى أمنعه أن يسرق ؛ لأن كل واحد يخاف على ذاته ، فيمنعه ذلك أن يسرق . وقد قلنا من قبل : إن حادثة سيارة قد ينتج عنها مشوهون قدر من قطعت أيديهم بسبب السرقة في تاريخ الإسلام كله ، فلا تفتعل وتدعى أنك رحيم ولا تنظر إلى العقاب حين ينزل بالمذنب ، ولكن انظر إلى الجريمة حين تقع منه ، فإن اللّه يريد أن يحمى حركة الحياة للناس بحيث إذا عملت وكددت واجتهدت وعرقت يضمن اللّه لك حصيلة هذا العمل ، فلا يأتي متسلط يتسلط عليك ليأخذ دمه من عرقك أنت . إذن فهو يحمى حركة الحياة وتحرك كل واحد وهو آمن ، هذا « لبّ » الفهم ، ولذلك يقول تعالى : « وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ » ، إياكم أن تقولوا : إن هذا القصاص اعتداء على حياة فرد . لا ، لأن « لَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ » إنّ من علم أنه إن قتل فسيقتل ، سيمتنع عن القتل ، إذن فقد حمينا نفسه وحمينا الناس منه ، وهكذا يكون في القصاص حياة ، وذلك هو لبّ الفهم في الأشياء ؛ فاللّه سبحانه وتعالى يلفتنا وينبهنا ألّا نأخذ الأمور بظواهرها ، بل نأخذها بلبها ، وندع القشور التي يحتكم إليها أناس يريدون أن ينفلتوا من حكم اللّه . و « الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ » حينما فصلوا في أمر المتشابه دعوا اللّه بالقول الذي أنزله - سبحانه - :