محمد متولي الشعراوي
1281
تفسير الشعراوي
« يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا » وهو ما قاله الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، إن الراسخين في العلم يقولون : إن المحكم من الآيات سيعملون به ، والمتشابه يؤمنون به ، وكل من المتشابه والمحكم من عند اللّه . أمّا من عطف وقرأ القول الحكيم ووقف عند قوله : « وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ » نقول له : إن الراسخين في العلم علموا تأويل المتشابه ، وكان نتيجة علمهم قولهم : « آمَنَّا بِهِ » . إن الأمرين متساويان ، سواء وقفت عند حد علم اللّه للتأويل أو لم تقف . فالمعنى ينتهى إلى شئ واحد . وحيثية الحكم الإيمانى للراسخين في العلم هي قوله الحق على لسانهم : « آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا » فالمحكم من عند ربنا ، والمتشابه من عند ربنا ، وله حكمة في ذلك ؛ لأنه ساعة أن يأمر الأعلى الأدنى بأمر ويبين له علته فيفهم الأدنى ويعمل ، وبعد ذلك يلقى الأعلى أمرا آخر ولا يبين علته ، فواحد ينفذ الأمر وإن لم يعرف العلة ، وواحد آخر يقول : لا ، عليك أن توضح لي العلة . فهل الذي آمن آمن بالأمر أو بالعلة ؟ إن الحق يريد أن نؤمن به وهو الآمر ، ولو أن كل شئ صار مفهوما لما صارت هناك قيمة للإيمان . إنما عظمة الإيمان في تنفيذ بعض الأحكام وحكمتها غائبة عنك ؛ لأنك إن قمت بكل شئ وأنت تفهم حكمته فأنت مؤمن بالحكمة ، ولست مؤمنا بمن أصدر الأمر . وعندما نأتى إلى لحم الخنزير الذي حرمه اللّه من أربعة عشر قرنا ، ويظهر في العصر الحديث أن في أكل لحم الخنزير مضار ، ويمتنع الناس عن أكله لأن فيه مضار ، فهل امتناع هؤلاء أمر يثابون عليه ؟ طبعا لا ، لكن الثواب يكون لمن امتنع عن أكل لحم الخنزير لأن اللّه قد حرمه ؛ ولأن الأمر قد صدر من اللّه ، حتى دون أن يعرّفنا الحكمة ، إن المؤمن باللّه يقول : إن اللّه قد خلقني ولا يمكن - وهو الخالق - أن يخدعني وأنا العبد الخاضع لمشيئته . إن العبد الممتنع عنّ أكل لحم الخنزير وشرب الخمر امتثالا لأمر اللّه ، هو الذي