محمد متولي الشعراوي
1278
تفسير الشعراوي
الآن عمليات تجميل وتقويم ليجعلوها صفا واحدا . إن الذين في قلوبهم زيغ أي ميل ، يتبعون ما تشابه من الآيات ابتغاء الفتنة . كأن الزيغ أمر طارئ على القلوب ، وليس الأصل أن يكون في القلوب زيغ ، فالفطرة السليمة لا زيغ فيها ، لكن الأهواء هي التي تجعل القلوب تزيغ ، ويكون الإنسان عارفا لحكم اللّه الصحيح في أمر ما ، لكن هوى الإنسان يغلب فيميل الإنسان عن حكم اللّه . والميل صنعة القلب ، فالإنسان قد يخضع منطقه وفكره ليخدم ميل قلبه ، ولذلك فرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : ( لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ) « 1 » لماذا ؟ لأن آفة الرأي الهوى ، وحتى المنحرفون يعرفون القصد السليم ، لكن الواحد منهم ينحرف لما يهوى ، ودليل معرفة المنحرف للقصد السليم أنه بعد أن يأخذ شرّته في الانحراف يتوب ويعلن توبته ، وهذا أمر معروف في كثير من الأحيان ؛ لأن الميل تكلّف تبريرى ، أما القصد السليم فأمر فطرى لا يرهق ، ومثال ذلك : عندما ينظر الإنسان إلى حلاله ، فإنه لا يجد انفعال ملكة يناقض انفعال ملكة أخرى ، ولكن عندما ينظر إلى واحدة ليست زوجته ، فإن ملكاته تتعارك ، ويتساءل : هل ستقبل منه النظرة أو لا ؟ إن ملكاته تتضارب ، أما النظر إلى الحلال فالملكات لا تتعب فيه . لذلك فالإيمان هو اطمئنان ملكات ، فكل ملكات الإنسان تتآزر في تكامل ، فلا تسرق ملكة من وراء أخرى . مثال آخر : عندما يذهب واحد لإحضار شئ من منزله ، فإنه لا يحس بتضارب ملكاته ، أما إذا ذهب إنسان آخر لسرقة هذا الشئ فإن ملكاته تتضارب ، وكذلك جوارحه ؛ لأنها خالفت منطق الحق والاستقامة والواقع . « فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ » إذن فاتباعهم للمتشابه منه ليؤوّلوه تأويلا يخالف الواقع ليخدموا الزيغ الذي في قلوبهم .
--> ( 1 ) رواه في شرح السنة للبغوي ، وفي كنز العمال ، ومشكاة المصابيح للتبريزى .