محمد متولي الشعراوي

1279

تفسير الشعراوي

فالميل موجود عند قلوبهم أولا ، ثم بدأ الفكر يخضع للميل ، والعبارة تخضع للفكر ، وهكذا نرى أن الأصل في الميل قد جاء منهم . . ولننظر إلى أداء القرآن الكريم حين يقول : فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ( من الآية 5 سورة الصف ) كأنه يقول : مادمتم تريدون الميل فسأميلكم أكثر وأساعدكم فيه . والحق سبحانه لا يبدأ إنسانا بأمر يناقض تكليفه ، لكن الإنسان قد يميله هواه إلى الزيغ ، فيتخلى اللّه عنه : ويدفعه إلى هاوية الزيغ . وآية أخرى يقول فيها الحق : وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ( 127 ) ( سورة التوبة ) إنهم الذين بدأوا ؛ انصرفوا عن اللّه فصرف اللّه قلوبهم بعيدا عن الإيمان . وكذلك الذين يتبعون المتشابه يبتغون به الفتنة أي يطلبون الفتنة ، ويريدون بذلك فتنة عقول الذين لا يفهمون ، وما داموا يريدون فتنة عقول من لا يفهمون فهم ضد المنهج ، وما داموا ضد المنهج فهم ليسوا مؤمنين إذن ، وما داموا غير مؤمنين فلن يهديهم اللّه إلى الخير ، لأن الإيمان يطلب من الإنسان أن يتجه فقط إلى الإيمان بالرب الإله الحكيم ، ثم تأتى المعونة بعد ذلك من اللّه . لكن عندما لا يكون مؤمنا فكيف يطلب المعونة من اللّه ، إنه سبحانه يقول : ( أنا أغنى الشركاء عن الشرك ) « 1 » . إنهم يبتغون الفتنة بالمتشابه ، ويبتغون تأويله ، ومعنى التأويل هو الرجوع ، لأننا نقول : « آل الشئ إلى كذا » أي رجع الشئ إلى كذا ، فكأن شيئا يرجع إلى شئ ، فمن لهم عقل لا زيغ فيه يحاولون جاهدين أن يؤولوا المتشابه ويردوه إلى المحكم ، أو يؤمنوا به كما هو .

--> ( 1 ) اتحاف السادة المتقين للزبيدى ، ومسند الربيع بن حبيب ، والترغيب والترهيب للمنذري ، والأسماء والصفات للبيهقي .