محمد متولي الشعراوي

1258

تفسير الشعراوي

الأشياء فهو منتفع بها ، وضربنا المثل وقلنا : إن الريفي الذي ليس عنده ثقافة في الكهرباء ، أيستفيد بالكهرباء أم لا ؟ إنه يستفيد بها ويحرك زر المصباح لينيره أو ليطفئه ، أهو يعلم سر ذلك ؟ لا ، لكنه إنما انتفع به ، فكذلك المؤمن حين يقول : « ألف - لام - ميم » ، يأخذ سرها من قائلها ، فهمها أم لم يفهمها ، إذن فالمسألة لا تحتاج إلى أن نفلسفها ، صحيح أن العقل البشرى يحوم حول شئ ليستأنس به ، ولكن عطاء اللّه وحكمة العطاء فوق ما يستأنس به وفوق ما نستوحش منه . وقول الحق سبحانه في ختام سورة البقرة : « فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ » يناسب أيضا سورة آل عمران ، لماذا ؟ لأن الإسلام سيأتي ليواجه معسكر كفر ومعسكر أهل الكتاب ، فحتى لا تتشقق دعوة اللّه التي صدرت عن اللّه بمواكب الرسل جميعا الذين سبقوا محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم وأن هذا جاء ليناقض شيئا منه ، إنه قد جاء ليعزز دعوة اللّه ، ولتكون هذه الأمم التي تبعت هذه الديانات في صف الإسلام . ولذلك حينما أنكر العرب رسالة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال اللّه لهم : « وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ » أي أن من عنده علم الكتاب يشهد أنك رسول اللّه . وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ ( 43 ) ( سورة الرعد ) فكان المفروض في أهل الكتاب أنهم حينما جاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يكونوا هم أول المؤمنين برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، لأنه جاء ليؤكد موكب الإيمان ويأتي لهم بسورة يسميها آل عمران حتى يعلم الجميع أنك يا محمد لم تأت لتهدم ديانة عيسى ، ولكن لتبقى ديانة عيسى ولتؤيد ديانة عيسى ، فإن كنتم يا من آمنتم بعيسى مؤمنين بعيسى فاهرعوا حالا إلى الإيمان بمحمد ؛ فقد سماها اللّه آل عمران ، وجعل لهم سورة في القرآن . إن رسالة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم لم تأت للعصبية ، أو لتمحو ما قبلها كما تأتى عصبيات البشر حين يأتي قوم على أنقاض قوم ، ويهدمون كل ما يتصل بهؤلاء القوم