محمد متولي الشعراوي

1255

تفسير الشعراوي

وهذه السورة التي نحن بصددها - سورة آل عمران - كان من السياق أن تأتى بعد سورة البقرة ؛ لأن سورة البقرة جاءت لتخدمنا في قضية الوجود الأول ، فتكلمت عن خلق آدم ، وتكلمت عن خلافته في الأرض ، وتكلمت عن تعليمه الأسماء ، ثم تكلمت عن بعض مواكب الرسل لذلك الإنسان الذي استخلف في الأرض . وتعرضت لقضايا تعلقت بأحداث ، هذه الأحداث ارتبطت بأزمنة مخصوصة . والقرآن قد جاء بها ، ثم جاء مترتبا على الصورة النهائية . ناسب أن تأتى بعد سورة البقرة سورة آل عمران ؛ لأنها تكلمت عن نوع جديد من الخلق ، لم يأت على نمط الخلق الأول ، وإن جاء من الخلق الأول ؛ لأنها جاءت لتكلمنا عن خلق عيسى . وخلق عيسى جاء بغير الناموس الذي خلق به آدم . فكما أن آدم خلق بلا أب وبلا أم ، كان المنطق أن يأتي بخلق آخر وجد من دون أب . لقد استهل الحق سبحانه وتعالى سورة البقرة بأسماء ثلاثة من حروف المعجم وهي : « ألف - لام - ميم » وتلك القضية تعرضنا لها طويلا عند استهلال سورة البقرة . وبيّنا الحكمة في ورود بعض الحروف ، وعرفنا أنّ للحرف « مسمّى » وله « اسم » . « المسمّى » هو الذي ننطق به ، و « الاسم » هو الذي يعتبر عنوانا على هذا المسمّى . فأنت حين تقرأ مثلا ، تقول : قرأ ، فعند ما تنطق حرف « ق » تنطقه حرفا متصلا ببقية الحروف ، وهذا النطق اسمه « المسمّى » . ولكن اسم ذلك المسمّى « قاف » . إذن فلكل حرف اسم ، ومسمّى . حين نتكلم جميعا نتكلم بالمسمّى ، وسواء منّا الأمى أو المتعلم ، فكل واحد ينطق المسمى « ق . ر . أ » ولكن لا يعرف اسم « قاف » إلا من تعلم ؛ لأنه قيل له هذه اسمها « قاف » . فذلك هو الاسم . إذن فالتعليم يعطينا أسماء المسميات ، واللفظ الذي يلفظ به الأمى والمتعلم هو