محمد متولي الشعراوي
1256
تفسير الشعراوي
المسميات ، ونحن نعلم أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان أميا ، لم يجلس إلى معلم ولم يتعلم ، فمن الذي لقنه أسماء الحروف التي لا يعرفها إلا من تعلم ؟ هذه الحروف لقّنت على صور مختلفة ، فتنطق بالمسمّى مرة وتنطق مرة أخرى بأسماء الحروف ، فلما جاءت في أول سورة البقرة « ألم » تلك هي أسماء الحروف . ولكنا قلنا : إننا حين نقرأ في أول سورة الفيل « أَ لَمْ تَرَ » هي ( الألف واللام والميم ) ونقرأها كثلاثة حروف تكوّن تساؤلا : « أَ لَمْ تَرَ » ، ولم تقرأ أسماء حروفها ، وإنما قرأتها بمسميات الحروف . فقلت : « أَ لَمْ » ، فمن الذي يفرق لنا بين ألف ولام وميم . وتقرأ مرة أخرى أَ لَمْ ؟ لا شك أنها توقيف من اللّه ، وهي حقّا توقيف من اللّه ، هذه تقرأ ألم وهذه تقرأ ألف ، لام ، ميم . إن الحق يدلنا على أن هذا القرآن ليس من صنعة البشر ، وإلا فصنعة البشر لم تأت قبل نزول القرآن لتنطق بأسماء الحروف ، اللهم إلا بعض أسماء قالوا فيها : إنها أداة مثل « هاء التنبيه » أي لتنبيه السامع . لماذا ؟ لأن المتكلم حر في أن يتكلم وهو الذي يحدد وقت كلامه ولكن السامع يفاجأ . إذن فالكلام من المتكلم يحدده المتكلم ، يتكلم متى شاء . ولكن السامع لا يسمع متى شاء ، ولكنه يسمع بعد أن يتكلم المتكلم ، لكن السامع ليس عنده اختيار ، فكانوا يريدون لبعض الحروف أن يخرجوا بها إلى السامع كلون من ألوان الانجذاب إلى المتكلم ، فقبل أن يجئ بالكلام الذي يريده يأتي بهاء التنبيه . كأن المتكلم يقول : تنبه لي فأنا أريد أن أتكلم حتى لا يفوت منك بعض الكلمات التي أنطق بها . وبعضها يسمونه « أداة استفتاح » مثل القول : ألا هبى بصحنك فاصبحينا . ف « ألا » تنبه إلى أن كلاما يقال ، ثم يقول : هبى بصحنك فاصبحينا ؛ لأنه ربما نطق ببعض الكلمات في شغل من السامع عن المتكلم ، فتفوته الفائدة . إذن فكل الألفاظ التي تأتى بأسماء حروف أو بأسماء يراد بها التنبيه ، إنما هي تهيئة للذهن . وما الذي يمنعنا أن يكون أيضا ذلك من باب تهيئة السامع إلى ضرورة حضور الذهن ؟ ومما يدل على أن لهذه الحروف التوفيقية مواقع في النفس البشرية ، أن الذين عارضوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في دعواه لم يستدركوا عليه شيئا وهم أهل فصاحة وأهل لغة .