محمد متولي الشعراوي
1245
تفسير الشعراوي
والمصيبة الكبرى ألا يحتاج الشر إلى افتعال ؛ لأن صاحبه يصير إلى بلادة الحس الإيمانى ، وتكون الشرور بالنسبة إليه سهلة ؛ لأنه تعود عليها كثيرا ، ويقول الحق : « بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ » إن الخطيئة تحيط به من كل ناحية ، ولم يعد هناك منفذ ، وهو لا يفتعل حتى صارت له ملكة في الشر ؛ فاللص مثلا في بداية عمله يخاف ويترقب ، لكن عندما تصبح اللصوصية مهنته فإنه يحمل أدوات السرقة ويصير حسه متبلدا . ففي المرحلة الأولى من الشر يكون أهل الشر في حياء من فعل الشر ، وذلك دليل على أن ضمائرهم وقلوبهم ما زال فيها بعض من خير ، لكن عندما يعتبرون الشر حرفة وملكة فهنا المصيبة ، وتحيط بكل منهم خطيئته وتطوقه ولا تجعل له منفذا إلى اللّه ليتوب . فالذي يلعب الميسر ، أو طوقته خطيئة الفحش قد يقول فرحا : « كانت سهرة الأمس رائعة » ، أما الذي يرتكب الخطأ لأول مرة فإنه يقول : « كانت ليلة سوداء يا ليتها ما حدثت » ، ويظل يؤنب نفسه ويلومها ؛ لأنه تعب وأرهق نفسه ؛ لأنه ارتكب الخطأ . إذن فقول الحق : « لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ » يوضح لنا أن فعل الشر هو الذي يحتاج إلى مجهود ، فإن انتقلت المسألة من اكتسبت إلى كسبت فهذه هي الطامة الكبرى ، ويكون قد أحاطت به خطيئته . ويكون على كل نفس ما اكتسبت . والعاقل هو من يكثر ما لنفسه ، لا ما عليها ؛ لأن الذي يقول ذلك هو الحق العالم المالك الذي إليه المصير ، فليس من هذا الأمر فكاك . وبعد ذلك يقول الحق على لسان عباده المؤمنين : « رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا » ، ولقائل أن يقول : إن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم طمأننا ، فقال : ( رفع عن أمتي الخطأ والنسيان ، وما استكرهوا عليه ) « 1 » . فكيف يأتي القرآن بشئ مرفوع عن الأمة الإسلامية ليدعو به الناس ربهم ليرفعه عنهم ؟ .
--> ( 1 ) رواه الطبراني في معجمه الكبير عن ثوبان .