محمد متولي الشعراوي

1209

تفسير الشعراوي

وقد رأينا بعض الفقهاء قد اعتبر الزكاة - ما دامت حقا للفقير عند الغنى - فإن منع الغنى ما قدره نصاب سرقة تقطع يد الغنى ، لأنه أخذ حق الفقير . ونصاب السرقة ربع دينار ذهبا ، فيبنى الإسلام قضاياه الاجتماعية إما على النفقة غير المفروضة وإما على النفقة المفروضة . فإذا ما شحّت نفوس الناس ، ولم تستطع أن تتبرع بالقدر الزائد على المفروض ، وتمكن حب مالها في نفسها تمكنا قويا بحيث لا تتنازل عنه يقول اللّه سبحانه لكل منهم : أنت لم تتنازل عن مالك ، وأنا حرمت الربا ، فكيف نلتقى لنضع للمجتمع أساسا سليما ؟ سنحتفظ لك بمالك ونمنع عنك فائدة الربا ، وهكذا نلتقى في منتصف الطريق ، لا أخذنا مالك ، ولا أخذت من غيرك الزائد على هذا المال . وشرح الحق سبحانه آية الدين ، وأخذت هذه الآية أطول حيز في حجم آيات القرآن ، لماذا ؟ . لأن على الدين هذا تبنى قضايا المجتمع الاقتصادية عند من لا يجد موردا ماليا يسيّر به حركة حياته . وحين وضع الحق آية الدين لم يضعها وضعا تقنينيا جافا جامدا ، وإنما وضعها وضعا وجدانيا . أي مزج التقنين بالوجدان ، مزج الحق جمود القانون بروح الإسلام ، فلم يجعلها عملية جافة . والمشرعون من البشر عندما يقننون فهم يضعون القانون جافا ، فمثال ذلك : من قتل يقتل ، وغير ذلك . لكن الحق يقول غير ذلك حتى في أعنف قضايا الخلاف ، وهي خلافات الدم ، فقال سبحانه : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ( من الآية 178 سورة البقرة ) والحق سبحانه وتعالى قبل أن يأتي بآية الدين ، يقول :