محمد متولي الشعراوي
1168
تفسير الشعراوي
ولكنه يسألهم النفقة مما خلقه لهم . إن الإنسان في هذا الكون حين يطلب إيمانيا منه أن ينفق فلازم ذلك أن يكون عنده ما ينفقه ، ولا يمكن أن يكون عنده ما ينفقه إلا إذا كان مالكا لشئ زاد على حاجته وحاجة من يعوله ، وذلك لا يتأتى إلا بحصيلة العمل . إذن فأمر اللّه للمؤمن بالنفقة يقتضى أن يأمره أولا بأن يعمل على قدر طاقته لا على قدر حاجته ، فلو عمل كل إنسان من القادرين على قدر حاجته ، فكيف توجد مقومات الحياة لمن لا يقدر على العمل ؟ . إذن فالحق يريد منا أن نعمل على قدر طاقتنا في العمل لنعول أنفسنا ولنعول من في ولايتنا ، فإذا ما زاد شئ على ذلك وهبناه لمن لا يقدر على العمل . ولقائل أن يقول : إذا كان اللّه قد أراد أن يحنن قلوب المنفقين على العاجزين فلماذا لم يجعل العاجزين قادرين على أن يعملوا هم أيضا ؟ نقول لصاحب هذا القول : إن الحق حين يخلق . . يخلق كونا متكاملا منسجما دانت له الأسباب ، فربما أطغاه أن الأسباب تخضع له ، فقد يظن أنه أصبح خالقا لكل شئ ، فحين تستجيب له الأرض إن حرث وزرع ، وحين يستجيب الماء له إن أدلى دلوه ، وحين تستجيب له كل الأسباب ، ربما ظن نفسه أصيلا في الكون . فيشاء اللّه أن يجعل القوة التي تفعل في الأسباب لتنتج ، يشاء - سبحانه - أن يجعلها عرضا من أعراض هذا الكون ، ولا يجعلها لازمة من لوازم الإنسان ، فمرة تجده قادرا ، ومرة تجده عاجزا . فلو أنه كان بذاتيته قادرا لما وجد عاجز . إذن فوجود العاجزين عن الحركة في الحياة لفت للناس على أنهم ليسوا أصلاء في هذا الكون ، وأن الذي وهبهم القدرة يستطيع أن يسلبهم إياها ليعيدها إلى سواهم ، فيصبح العاجز بالأمس قادرا اليوم ، ويصبح القادر بالأمس عاجزا اليوم وبذلك يظل الإنسان منتبها إلى القوة الواهبة التي استخلفته في الأرض .