محمد متولي الشعراوي

1122

تفسير الشعراوي

للولد : أتضرب أباك ! هنا الهمزة جاءت لا لتستفهم وإنما أتت تنكر هذه الفعلة ، لأن الفعل بعدها مثبت وهو « تضرب » ، وجاءت الهمزة قبله فتسمى « همزة إنكار » للتقريع . إذن فالإنكار : نفى بتقريع إذا دخلت على فعل منفى . وما دام الإنكار نفيا والفعل بعدها منفى فكأنك نفيت النفي ، إذن فقد أثبته ، كأنه سبحانه عندما يقول للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم : « أَ لَمْ تَرَ » فالمقصود « أنت رأيت » . ولماذا لم يقل له : أرأيت ؟ لقد جاء بها بأسلوب النفي كي تكون أوقع ، فقد يكون مجىء الإثبات تلقينا للمسئول ، فعندما يقول لك صديق : أنت لم تسأل عنى وأنت تهملنى . فأنت قد ترد عليه قائلا : ألم أساعدك وأنت ضعيف ؟ ألم آخذ بيدك وأنت مريض ؟ لقد سبق أن قدمت خدماتك لهذا الصديق ، ولكنك تريد أن تنكر النفي الذي يقوله هو ، وهكذا نعلم أن نفى النفي إثبات ، ولذلك فنحن نأخذ من قوله تعالى من هذه العبارة « أَ لَمْ تَرَ » على معنى : أنت رأيت ، والرؤية تكون بالعين . فهل رأى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم - وهو المخاطب الأول بالقرآن الكريم من ربه - هل رأى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم هذه الحادثة أيام إبراهيم ؟ طبعا لا ، فكأن « ألم تر » هنا تأتى بمعنى : ألم تعلم . ولماذا جاء ب « ألم تر » هنا ؟ لقد جاء بها لنعلم أن اللّه حين يقول : « أَ لَمْ تَعْلَمْ » * فكأنك ترى ما يخبرك به ، وعليك أن تأخذه على أنه مصدق كأنك رأيته بعينك . فالعين هي حاسة من حواسك ، والحاسة قد تخدع ، ولكن ربك لا يخدع ، إذن ف « أَ لَمْ تَرَ » تعنى : « ألم تعلم علم يقين » ، وكأنك قد رأيت ما يخبرك به اللّه ، ولذلك يقول تعالى للرسول : أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ ( 1 ) ( سورة الفيل ) والرسول ولد عام الفيل ، فلم ير هذه الحادثة ، وكأن اللّه يخبره بها ويقول له : ألم تعلم ، وكأنه يقول له : اعلم علما يقينيا كأنك تراه ؛ لأن ربك أوثق من عينيك ،