محمد متولي الشعراوي
1123
تفسير الشعراوي
وعندما يقال : « أَ لَمْ تَرَ » فالمراد بها « ألم تر كذا » ، لكن الحق قال : « أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ » واستعمال حرف « إلى » هنا يشير إلى أمر عجيب قد حدث ، ومثال ذلك ما نقوله أحيانا : ألم تر إلى زيد يفعل كذا . فكأن ما فعله زيد أمر عجيب ، وكأنه ينبه هنا إلى الالتفات إلى نهاية الأمر ، لأن « إلى » تفيد الوصول إلى غاية ، فكأنها مسألة بلغت الغاية في العجب ، فلا تأخذها كأنك رأيتها فقط ، ولكن انظر إلى نهايتها فيما حدث . والحق يقول هنا : « أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ » و « إلى » جاءت هنا لتدل على أنه أمر بلغ من العجب غاية بعيدة ، وهو بالفعل قد بلغ من العجب غاية بعيدة ، والحق سبحانه وتعالى لم يقل لنا من هو ذلك الإنسان الذي حاج إبراهيم في ربه ، لأنه لا يعنينا التشخيص سواء كان النمروذ أو غيره . فإذا ذهب بعض المفسرون إلى القول : إنه ملك واسمه النمروذ . فإننا نقول لهم : شكرا لاجتهادكم ، ولكن لو شاء اللّه تحديد اسم الرجل لحدده لنا ، والذي يهمنا هو أنه واحد خرج على رسول اللّه إبراهيم عليه السّلام وجادله في هذه المسألة ، والتشخيص هنا ليس ضروريا ، والحق سبحانه وتعالى حينما يريد شيوع الأمر وإمكان حدوثه في أي زمان أو مكان فإن اللّه لا يشخص الأمر ، فأي إنسان في أي مكان قد يحاجج أي مؤمن . وليس كذلك الأمر بالنسبة لأي تشخيص أو تحديد ، ومثال ذلك هؤلاء الذين يريدون أن يعرفوا قصة أهل الكهف ، ويتساءلون : أين ومتى ، وكم عددهم ، ومن هم ؟ ونقول : لو جاءت واحدة من هؤلاء لفسدت القصة ؛ لأنه لو حددنا زمانها سيأتي واحد يقول لك : مثل ذلك الزمان الذي حدثت فيه القصة كان يسمح بها . ولو حددنا المكان سيقول آخر : إن المكان كان يسمح بهذه المسألة . ولو حددنا الأشخاص بأسمائهم فلان وفلان ، فسيقول ثالث : إن مثل هذه الشخصيات يمكن أن يصدر منها مثل هذا السلوك وأنّى لنا بقوة إيمان هؤلاء ؟ والحق لم يحدد الزمان والمكان والأشخاص وجاء بها مبهمة ليدل على أن أي فتية في