محمد متولي الشعراوي

1118

تفسير الشعراوي

بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى » وكأن الحق يشرح ذلك بهذه الآية ، فمادام العبد سيتصل بالعروة الوثقى ويستمسك بها ، وهذه ليست لها انفصام فقد صارت ولايته للّه ، وكلمة « ولىّ » إذا سمعتها هي من « ولى » أي : جاء الشئ بعد الشئ من غير فاصل ؛ هذا يليه هذا ، وما دام يليه من غير فاصل فهو الأقرب له ، وما دام هو الأقرب له إذن فهو أول من يفزع لينقذ ، فقد يسير معي إنسان فإذا التوت قدمي أناديه ؛ لأنه الأقرب منى ، وهو الذي سينجدنى . فلا يوجد فاصل ، وما دام لا يوجد فاصل فهو أول من تناديه ، وأول من يفزع إليك بدون أن تصرخ له ؛ لأن من معك لا تقل له : خذ بيدي ، إنه من نفسه يأخذ بيدك بلا شعور ، إذن فكلمة « اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا » إذا نظرت إليها وجدتها تنسجم أيضا مع « سميع وعليم » ، فلا يريدك أن تناديه ؛ لأن هناك من تصرخ عليه لينجدك ، وهو لن تصرخ عليه ؛ لأنه سميع وعليم ، « اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا » . وكلمة « ولىّ » أيضا منها ( مولى ) ومنها ( وال ) ، « وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا » أي هو الذي يتولى شؤونهم وأمورهم ، كما تقول : الوالي الذي تولّى أمر الرعيّة ، وكلمة « مولى » مرة تطلق على السيد ، ومرة تطلق على خادمه ، ولذلك يقول الشاعر : مولاك يا مولاي طالب حاجة أي عبدك يا سيدي طالب حاجة ، فهي تستعمل في معان مترابطة ؛ لأننا قلنا : « ولىّ » تعنى القريب ، فإذا كان العبد في حاجة إلى شئ فمن أول من ينصره ؟ سيده ، وإذا نادى السيد ، فمن أول مجيب له ؟ إنه خادمه ، إذن فيطلق على السيد ويطلق على العبد ، ويطلق على الوالي ، « اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا » . وقوله الحق : « الَّذِينَ آمَنُوا » يعنى جماعة فيها أفراد كثيرة ، كأنه يريد من الذين آمنوا أن يجعلوا إيمانهم شيئا واحدا ، وليسوا متعددين ، أو أن ولاية اللّه لكل فرد على حدة تكون ولاية لجميع المؤمنين ، وما داموا مؤمنين فلا تضارب في الولايات ؛ لأنهم كلهم صادرون وفاعلون عن إيمان واحد ، ومنهج واحد ، وعن قول واحد ، وعن فعل واحد ، وعن حركة واحدة . وكيف يكون « اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا » ؟ إنه وليهم أي ناصرهم . ومحبهم ومجيبهم