محمد متولي الشعراوي

1112

تفسير الشعراوي

إن الحق سبحانه وتعالى يوضح لنا نحن العباد المؤمنين ولسائر البشرية أنه : « لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ » . والإكراه هو أن تحمل الغير على فعل لا يرى هو خيرا في أن يفعله . أي لا يرى الشخص المكره فيه خيرا حتى يفعله . ولكن هناك أشياء قد نفعلها مع من حولنا لصالحهم ، كأن نرغم الأبناء على المذاكرة ، وهذا أمر لصالح الأبناء ، وكأن نجبر الأطفال المرضى على تناول الدواء . ومثل هذه الأمور ليست إكراها ، إنما هي أمور نقوم بها لصالح من حولنا ؛ لأن أحدا لا يسره أن يظل مريضا . إن الإكراه هو أن تحمل الغير على فعل من الأفعال لا يرى فيه هو الخير بمنطق العقل السليم . ولذلك يقول الحق سبحانه : « لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ » . ومعنى هذه الآية أن اللّه لم يكره خلقه - وهو خالقهم - على دين ، وكان من الممكن أن اللّه يقهر الإنسان المختار ، كما قهر السماوات والأرض والحيوان والنبات والجماد ، ولا أحد يستطيع أن يعصى أمره . فيقول سبحانه : لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً ( من الآية 31 سورة الرعد ) لكن الحق يريد أن يعلم من يأتيه محبا مختارا وليس مقهورا ، أن المجىء قهرا يثبت له القدرة ، ولا يثبت له المحبوبية ، لكن من يذهب له طواعية وهو قادر ألا يذهب فهذا دليل على الحب ، فيقول تعالى : « لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ » أي أنا لم أضع مبدأ الإكراه ، وأنا لو شئت لآمن من في الأرض كلهم جميعا . فهل الرسل الذين أرسلهم سبحانه يتطوعون بإكراه الناس ؟ . لا ، إنّ الرسول جاء لينقل عن اللّه لا ليكره الناس ، وهو سبحانه قد جعل خلقه مختارين ، وإلا لو أكرههم لما أرسل الرسل ، ولذلك يقول المولى عز وجل : وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ( 99 ) ( سورة يونس )