محمد متولي الشعراوي

1113

تفسير الشعراوي

إن الرسول له مهمة البلاغ عن اللّه ؛ لأن اللّه لم يرد خلقه مكرهين على التدين ، إذن فالمبلغ عنه لا يكره خلقه على التدين ، إلا أن هنا لبسا . فهناك فرق بين القهر على الدين ، والقهر على مطلوب الدين ، هذا هو ما يحدث فيه الخلاف . تقول لمسلم : لماذا لا تصلى ؟ يقول لك : « لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ » ، ويدعى أنه مثقف ، ويأتيك بهذه الآية ليلجمك بها ، فتقول له : لا . « لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ » عقيدة وإيمانا ، إنما إن آمنت وأعلنت أنك آمنت باللّه وصرت معنا مسلما فلا بد أن تعرف أنك إن كسرت حكما من أحكام الإسلام نطلب منك أن تؤديه ، أنت حر أن تؤمن أو لا تؤمن ، لكن حين التزمت بالإيمان ، فعليك مسؤولية تنفيذ مطلوب الإيمان ، وإلا حسب تصرفك أنه من تصرفات الإسلام ، فإذا كنت تشرب خمرا فإنك حر ؛ لأنك كافر مثلا ، لكن أتؤمن ثم تشرب خمرا ! ؟ لا . أنت بذلك تكسر حدا من حدود اللّه ، وعليك العقاب . ولأنك ما دمت قد علمت كعاقل رشيد مطلوب الإسلام ، فعليك أن تنفذ مطلوب الإسلام ، ولذلك لم يكلف اللّه الإنسان قبل أن ينضج عقله بالبلوغ ؛ حتى لا يقال : إنّ اللّه قد أخذ أحدا بالإيمان وألزمه به قبل أن يكتمل عقله . بل ترك التكليف حتى ينضج الإنسان ويكتمل ، حتى إذا دخل إلى دائرة التكليف عرف مطلوباته ، وهو حر أن يدخل إلى الإيمان أو لا يدخل ، لكن إن دخل سيحاسب . إذن فلا يقل أحد عندما يسمع حكما من أحكام الدين : « لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ » ؛ لأن هذه الآية نزلت بشأن العقيدة الأساسية ، فإن اتبعت هذه العقيدة صار لزاما عليك أن توفى بمطلوباتها . وقد أراد خصوم الإسلام أن يصعدوا هذه العملية فقالوا كذبا وافتراء : إن الإسلام انتشر بحد السيف . ونقول لهم : لقد شاء اللّه أن ينشأ الإسلام ضعيفا ويضطهد السابقون إليه بكل أنواع الاضطهاد ، ويعذبون ، ويخرجون من ديارهم ومن أموالهم ومن أهلهم ، ولا يستطيعون عمل شئ . إذن ففترة الضعف التي مرت بالإسلام أولا فترة مقصودة .