محمد متولي الشعراوي

831

تفسير الشعراوي

« تهلكة » على وزن تفعله ولا نظير لها في اللغة العربية إلا هذا اللفظ ، لا يوجد على وزن تفعله في اللغة العربية سوى كلمة « تهلكة » ، والتهلكة هي الهلاك ، والهلاك هو خروج الشئ عن حال إصلاحه بحيث لا يدرى أين يذهب ، ومثال ذلك هلاك الإنسان يكون بخروج روحه . والحق يقول : لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ( من الآية 42 سورة الأنفال ) فالهلاك ضد الحياة ، وعلى الإنسان أن يعرف أن الحياة ليست هي الحس والحركة التي نراها ، إنما حياة كل شئ بحساب معين فحياة الحيوان لها قانونها . وحياة النبات لها قانونها ، وحياة الجماد لها قانونها ، بدليل أن الحق سبحانه وتعالى جعل « يهلك » أمام « يحيى » وهو سبحانه القائل : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ( من الآية 88 سورة القصص ) فلسنا نحن فقط الذين يهلكون ، ولا الحيوانات ، ولا النباتات وإنما كل شئ بما فيه الجماد ، كأن الجماد يهلك مثلنا ، وما دام يهلك فله حياة ولكن ليست مثل حياتنا ، وإنما حياة بقانونه هو ، فكل شئ مخلوق لمهمة يؤديها ، فهذه هي حياته وقوله الحق : « وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ » يكشف لنا بعضا من روائع الأداء البياني في القرآن ؛ ففي الجملة الواحدة تعطيك الشئ ومقابل الشئ ، وهذا أمر لا نجده في أساليب البشر ؛ فالحق في هذه الآية يقول لنا : « أَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ » أي أنفقوا في الجهاد ، كما يقول بعدها : « وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ » لماذا ؟ لأن الإنفاق هو إخراج المال إلى الغير الذي يؤدى لك مهمة تفيد في الإعداد لسبيل اللّه ، كصناعة الأسلحة أو الإمدادات التموينية ، أو تجهيز مبان وحصون ، هذه أوجه إنفاق المال . والحق يقول : « وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ » . وكلمة « ألقى » تفيد أن هناك