محمد متولي الشعراوي
832
تفسير الشعراوي
شيئا عاليا وشيئا أسفل منه ، فكأن اللّه يقول : لا تلقوا بأنفسكم إلى التهلكة ، وهل سيلقى الواحد منا نفسه إلى التهلكة ، أو أن يلقى نفسه في التهلكة بين عدوه ؟ لا ، إن اليد المغلولة عن الإنفاق في سبيل اللّه هي التي تلقى بصاحبها إلى التهلكة ؛ لأنه إن امتنع عن ذلك اجترأ العدو عليه ، وما دام العدو قد اجترأ على المؤمنين فسوف يفتنهم في دينهم ، وإذا فتنهم في دينهم فقد هلكوا . إذن فالاستعداد للحرب أنفى للحرب ، وعندما يراك العدو قوّيا فهو يهابك ويتراجع عن قتالك . والحق سبحانه - كما يريد منا في تشريع القتال أن نقاتل - يأمرنا أن نزن أمر القتال وزنا دقيقا بحسم ، فلا تأخذنا الأريحية الكاذبة ولا الحمية الرعناء ، فيكون المعنى : ولا تقبلوا على القتال إلا إن كان غالب الظن أنكم ستنتصرون ، فحزم الإقدام قد يطلب منك أن تقيس الأمور بدقة ، فالشجاعة قد تقتضى منك أن تحجم وتمتنع عن القتال في بعض الأحيان ، لتنتصر من بعد ذلك ساعة يكمل الإعداد له . والمعنى الأول يجعلك تنفق في سبيل اللّه ولا تلقى بيدك إلى التهلكة بترك القتال . والمعنى الثاني أي لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة بأن تقبلوا على القتال بلا داع أو بلا إعداد كاف . إن الحق يريد من المؤمنين أن يزنوا المسائل وزنا يجعلهم لا يتركون الجهاد فيهلكوا ؛ لأن خصمهم سيجترىء عليهم ، ولا يحببهم في أن يلقوا بأيديهم إلى القتال لمجرد الرغبة في القتال دون الاستعداد له . وهذا هو الحزم الإيمانى ، إنها جملة واحدة أعطتنا عدة معان . ويذيل الحق الآية الكريمة بقوله : « وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ » الحق يقول : « وَأَحْسِنُوا » . والإحسان كما علمنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أن تعبد اللّه - أي تطيع أوامره - كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك » « 1 » . مشكلة الناس هذه الأيام أنهم يتشبهون ب « فإنه يراك » ، فعملوا الدوائر التليفزيونية المغلقة في المحلات الكبرى حتى تتم مراقبة سير العمل في أرجاء المحل ، هذه فعل البشر . لكن انظر إلى تسامى الإيمان ، إنه يأمرك أنت أن ترى اللّه ،
--> ( 1 ) جزء من حديث أخرجه الشيخان .