محمد متولي الشعراوي
819
تفسير الشعراوي
نقول لهم : إنّ كثيرا من الذين كنتم ترون قتالهم في بداية الدعوة الإسلامية هم الذين نشروا راية الإسلام من بعد ذلك ، ومثال ذلك خالد بن الوليد ، الذي كان قائدا مغوارا في صفوف المشركين ، وقاتل المسلمين في أول حياته ، ثم هداه اللّه للإسلام وأصبح سيف اللّه المسلول ، ماذا لو قتل هذا القائد الفذ على أيدي المسلمين ؟ كان مثل هذا الفعل سيتسبب في حرمان المسلمين من موهبته ، تلك الموهبة التي أسهمت في معظم الفتوحات الإسلامية في الشام والعراق . إذن شاءت حكمة اللّه أن يستبقى أمثال خالد وهم خصوم للإسلام في بدء الدعوة لأن اللّه قد أعد لهم دورا يخدمون به الإسلام . والذين نالوا من الإسلام أولا هم الذين ستبقى عندهم الحرارة حتى يعملوا عملا يغفر اللّه لهم به ما قد سبق . انظر إلى عكرمة بن أبي جهل كان شوكة في ظهر المسلمين في بداية الدعوة ، ثم أسلم وأبلى بلاء حسنا ، ولما أصيب في موقعة اليرموك وأوشكت روحه أن تصعد إلى خالقها نظر إلى قائده خالد بن الوليد وقال : أهذه ميتة ترضى عنى رسول اللّه ؟ . كأنه كان يعلم أن رسول اللّه كان قد غضب عليه قبل أن يسلم . وعمرو بن العاص داهية المسلمين الذي لولاه ما فتحت مصر ، فقد كسب بدهائه أهل مصر فامتنعوا عن قتاله ، وناظرهم بعد ذلك حتى استل حقدهم على المسلمين ، وابان لهم أن رسول صلّى اللّه عليه وسلّم قال موصيا بهم « استوصوا بالقبطيين خيرا لأن لهم رحما وذمه » وفوق هذا فقد ارسله النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلى بعض العرب يستنفرهم إلى الاسلام . إذن فمن رحمة اللّه أنه لم يشأ تشريع القتال من البداية ، وإلا لكنا فقدنا كثيرا من قادة الإسلام العظام الذين حملوا لواء الدعوة الإسلامية فيما بعد ، وكل إنسان استقاه الإسلام وهو خصم وعدو للإسلام ، قدر اللّه له بعد الإسلام دورا يخدم به الدين الخاتم . من هنا نفهم الحكمة من تأخير القتال في الإسلام ، لأن اللّه أراد أن يمحص ويختبر ، وألا يدخل هذا الدين إلا من يتحمل متاعب هذا الدين ، ومشاقه لأنه