محمد متولي الشعراوي
817
تفسير الشعراوي
- سبحانه - من يريد اللّه أن يبتليه بمرض أو موت فلن ينجو من قدره . إن الحق يريد إيمان قلوب لا رضوخ قوالب . فالذي يجبر الآخرين على الإيمان بالكرباج لن يتبعه أحد ، وهو نفسه غير مؤمن بما يفرضه على الناس . ولو كان مؤمنا به لما فرضه على الناس بالقسر ؛ إنّهم سيقبلونه عن طواعية واختيار عندما يتبّين لهم أنه الحق المناسب لصلاح حياتهم . ونحن نلتفت حولنا فنجد أن النظم والحكومات التي تفرض مبادئها بالسوط والقهر تتساقط تباعا ، فعندما تتخلى هذه الحكومات عن السوط والبطش فإن الشعوب تتخلى عن تلك الأفكار ، والقرآن هنا يعالج هذه المسألة عندما يتحدث عن القتال وتشريع القتال ، الأمر الذي اختص به الحق أمة الاسلام ، وهو سبحانه لم يأذن بالقتال خلال فترة الدعوة المكية التي استمرت ثلاثة عشر عاما ، ثم اذن به بعد الهجرة إلى المدينة ، وقد كان من الضروري أن يتأخر أمر القتال ، لأن الحق أراد أولا أن يلتفت المسلمون إلى اتباع المنهج حتى يكونوا لغيرهم قدوة ، ويروا فيهم أسوة حسنة ، لذلك قال الحق : فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ( من الآية 109 سورة البقرة ) وقال سبحانه أيضا : وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ وَدَعْ أَذاهُمْ ( من الآية 48 سورة الأحزاب ) لماذا كل هذا التدرج ؟ لأن الحق سبحانه وتعالى علم أن الدعوة للإسلام ستدخل البيوت العربية ، فسيضم البيت الواحد كافرا باللّه ومؤمنا باللّه ، ولو أنه سبحانه وتعالى شرع القتال من البداية لصار في كل بيت معركة . ثم إن الحق سبحانه وتعالى يعلم أن تلك القبائل العربية بها كثير من خفة وطيش وسفه ؛ وكانوا يقتتلون لأتفه الأسباب ؛ فمن أجل ناقة ضربها كليب بسهم في ضرعها فماتت اشتعلت الحرب أربعين سنة . وفي ذلك يقول الشاعر عند الحفيظة