محمد متولي الشعراوي

816

تفسير الشعراوي

إن حججهم سافطة واهية ، وكذلك قولهم : إن الإسلام عندما يفرض الجزية فكأنه جاء لجباية الأموال ، نقول لهؤلاء : جزية على من ؟ جزية على غير المؤمن ، وما دام قد فرضت عليه جزية فمعنى ذلك أنه أباح له أن يكون غير مؤمن ، لو كان الإسلام يكره الناس على اعتناقه لما كان هناك من نأخذ عليه جزية . إذن فالإسلام لم يكرهه ، وإنما حماه من القوة التي تسيطر عليه حتى لا يكرهه أحد على ترك دينه ، وهو حر بعد ذلك في أن يسلم أو لا يسلم . وكأن الذين ينتقدون الإسلام يدافعون عنه ؛ فسهامهم قد ارتدت إليهم . وهنا تساؤل قد يثور : إذا كان الأمر كذلك فلماذا كانت حروب المسلمين ؟ نقول : إن حروب الإسلام كانت لمواجهة الذين يفرضون العقائد الباطلة على غيرهم ، وجاء الإسلام ليقول لهؤلاء : ارفعوا أيديكم عن الناس واجعلوهم أحرارا في أن يختاروا الدين المناسب . ولماذا تركهم الإسلام أحرارا ؟ لأنه واثق أن الإنسان ما دام على حريته في أن يختار فلا يمكن أن يجد إلا الحق واضحا في الإسلام . ولذلك فكثير من الناس الذين يقرأون قوله تعالى : لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ ( من الآية 256 سورة البقرة ) لا يفطنون إلى أن العلة واضحة في قوله - سبحانه - من الآية نفسها « قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ » . إذن فالمسألة واضحة لماذا نكره الناس وقد وضح أمامهم الحق والباطل ؟ نحن فقط نمنع الذين يفرضون عقائدهم الباطلة على الناس ؛ فأنت تستطيع أن تكره القالب ، لكن لا تستطيع أن تكره القلب . ونحن نريد أن ينبع الإيمان من القلب ، ولهذا يقول الحق لسيدنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ( 3 ) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ ( 4 ) ( سورة الشعراء ) إن اللّه لا يريد أعناقا ، لو كان يريد أعناقا لما استطاع أحد أن يخرج عن قدره