محمد متولي الشعراوي
806
تفسير الشعراوي
والإثم الأصل فيه - ولو لم يكن هناك دين - أن تفعل ما تعاب عليه وتذم ، وكذلك تعاب عليه وتذم من ناحية الدين ، وفوق ذلك تعاقب في الآخرة . وما هو مقياس الحق والباطل ؟ إن المقياس الذي ينجيك من الباطل هو أن تقبل لنفسك ما تقبله للطرف الآخر في أية صفقة أو معاملة ؛ لأنك لا ترضى لنفسك إلا ما تعلم أن فيه نفعا لك . ثم ينتقل الحق سبحانه وتعالى إلى قضية يعالج فيها أمرا واجه الدعوة الإسلامية ، والدعوة الإسلامية إنما جاءت لتخلع المؤمنين باللّه من واقع في الحياة كان كله أو أغلبه باطلا ، ولكنهم اعتادوه وألفوه أو استفاد أناس من ذلك الباطل ، ذلك أن الباطل لا يستمر إلا إذا كان هناك من يستفيدون منه . وجاء الإسلام ليخلص الناس من هذه الأشياء الباطلة . فالحق لم يشأ أن يعلمنا أن كل أحوال الناس غارقة في الشرور ، بل كانت هناك أمور أقرها الإسلام كما هي ، فالإسلام لم يغير لمجرد التغيير ، ولكنه واجه الأمور الضارة بالحياة التي لا يستفيد منها إلا أهل الباطل . مثال ذلك كان العرف السائد في الدية أنها مائة من الإبل يدفعها أهل القاتل ، وقد أبقاها الإسلام كما هي . وحينما استقبل المسلمون الإيمان باللّه ، فهم قد استقبلوا أحكامه وأرادوا أن يبنوا حياتهم على نظام إسلامي جديد طاهر ، حتى الشئ الذي كانوا يعملونه في الجاهلية كانوا يسألون عن حكمه ؛ لأنهم لا يريدون أن يصنعوه على عادة ما كان يصنع ، بل على نية القربى إلى اللّه بالامتثال ، إذن فهم عشقوا التكليف ، وعلموا أن اللّه لم يكلفهم إلا بالنافع ، وعندما تقرأ « يَسْئَلُونَكَ » في القرآن فاعلم أنها من هذا النوع ، مثل ذلك قوله تعالى : وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ( من الآية 219 سورة البقرة ) وقوله تعالى : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً ( من الآية 222 سورة البقرة )