محمد متولي الشعراوي

798

تفسير الشعراوي

إذن فهو أمر شائع عند الجميع ، لكن ما الذي يحكم حركة تداوله ؟ إن الذي يحكم حركة تداوله هو الحق الثابت الذي لا يتغير ، ولا يحكمه الباطل . وما معنى الباطل ، والحق ؟ إن الباطل هو الزائل ، وهو الذي لا يدوم ، وهو الذاهب . والحق هو الثابت الذي لا يتغير فلا تأكل بالباطل ، أي لا تأكل مما يملكه غيرك إلا بحق أثبته اللّه بحكم : فلا تسرق ، ولا تغتصب ، ولا تخطف ، ولا ترتش ، ولا تكن خائنا في الأمانة التي أنت موكل بها ، فكل ذلك إن حدث تكن قد أكلت المال بالباطل . وحين تأكل بالباطل فلن تستطيع أنت شخصيا أن تعفى غيرك مما أبحته لنفسك ، وسيأكل غيرك بالباطل أيضا . وما دمت تأكل بالباطل وغيرك يأكل بالباطل ، هنا يصير الناس جميعا نهبا للناس جميعا . لكن حين يحكم الإنسان بقضية الحق فأنت لا تأخذ إلا بالحق ، ويجب على الغير ألا يعطيك إلا بالحق ، وبذلك تخضع حركة الحياة كلها لقانون ينظم الحق الثابت الذي لا يتغير ، لماذا ؟ لأن الباطل قد يكون له علو ، لكن ليس له استقرار ، فالحق سبحانه وتعالى يقول : أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ ( 17 ) ( سورة الرعد ) وساعة ترى مطرا ينزل في مسيل وواد ، فأنت تجد هذا المطر قد كنس كل القش والقاذورات وجرفها فطفت فوق الماء ولها رغوة ، وكذلك فأنت عندما تدخل الحديد في النار تجده يسيل ويخرج منه الخبث ، ويطفو الخبث فوق السطح ، وهكذا نجد أن طفو الشئ وعلوه على السطح لا يعنى أنه حق ، إنه سبحانه يعطينا من الأمور المحسة ما نستطيع أن نميز من حلاله الأمور المعنوية ، وهكذا ترى أن الباطل قد يطفو ويعلو