محمد متولي الشعراوي
774
تفسير الشعراوي
وقال الحق : تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ ( من الآية 4 سورة القدر ) إذن فكلمة « أنزل » مقصورة على اللّه ، إنما كلمة « نزّل » تأتى من الملائكة ، و « نزل » تأتى من الروح الأمين الذي هو « جبريل » ، فكأن كلمة « أنزل » بهمزة التعدية ، عدت القرآن من وجوده مسطورا في اللوح المحفوظ إلى أن يبرز إلى الوجود الإنسانى ليباشر مهمته . وكلمة « نزل » و « نزّل » نفهمهما أن الحق أنزل القرآن من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا مناسبا للأحداث ومناسبا للظروف ، فكان الإنزال في رمضان جاء مرة واحدة ، والناس الذين يهاجموننا يقولون كيف تقولون : إن رمضان أنزل فيه القرآن مع أنكم تشيعون القرآن في كل زمن ، فينزل هنا وينزل هناك وقد نزل في مدة الرسالة المحمدية ؟ نقول لهم : نحن لم نقل إنه « نزل » ولكننا قلنا « أنزل » ، فأنزل : تعدى من العلم الأعلى إلى أن يباشر مهمته في الوجود . وحين يباشر مهمته في الوجود ينزل منه « النّجم » - يعنى القسط القرآني - موافقا للحدث الأرضي ليجىء الحكم وقت حاجتك ، فيستقر في الأرض ، إنما لو جاءنا القرآن مكتملا مرة واحدة فقد يجوز أن يكون عندنا الحكم ولا نعرفه ، لكن حينما لا يجئ الحكم إلا ساعة نحتاجه ، فهو يستقر في نفوسنا . وأضرب هذا المثل - وللّه المثل الأعلى - أنت مثلا تريد أن تجهز صيدلية للطوارىء في المنزل ، وأنت تضع فيها كل ما يخص الطوارىء التي تتخيلها ، ومن الجائز أن يكون عندك الدواء لكنك لست في حاجة له ، أما ساعة تحتاج الدواء وتذهب لتصرف تذكرة الطبيب من الصيدلية ، عندئذ لا يحدث لبس ولا اختلاط ، فكذلك حين يريد اللّه حكما من الأحكام ليعالج قضية من قضايا الوجود فهو لا ينتظر حتى ينزل فيه حكم من الملأ الأعلى من اللوح المحفوظ ، إنما الحكم موجود في السماء الدنيا ، فيقول للملائكة : تنزلوا به ، وجبريل ينزل في أي وقت شاء له الحق أن