محمد متولي الشعراوي

773

تفسير الشعراوي

الحرارة وتدل على القيظ « ورمض الإنسان » أي حرّ جوفه من شدة العطش ، و « الرمضاء » أي الرمل الحار ، وعندما يقال : « رمضت الماشية » أي أن الحر أصاب خفها فلم تعد تقوى أن تضع رجلها على الأرض ، إذن فرمضان مأخوذ من الحر ومن القيظ ، وكأن الناس حينما أرادوا أن يضعوا أسماء للشهور جاءت التسمية لرمضان في وقت كان حارا ، فسموه رمضان كما أنهم ساعة سموا مثلا « ربيعا الأول وربيعا الآخر » كان الزمن متفقا مع وجود الربيع ، وعندما سموا جمادى الأولى وجمادى الآخرة » كان الماء يجمد في هذه الأيام . فكأنهم لاحظوا الأوصاف في الشهور ساعة التسمية ، ثم دار الزمن العربي الخاص المحدد بالشهور القمرية في الزمن العام للشمس . فجاء رمضان في صيف ، وجاء في خريف ، لكن ساعة التسمية كان الوقت حارا . وهب أن إنسانا جاءه ولد جميل الشكل ، فسماه « جميلا » . وبعد ذلك مرض والعياذ باللّه بمرض الجدري فشوه وجهه ، فيكون الاسم قد لوحظ ساعة التسمية ، وإن طرأ عليه فيما بعد ذلك ما يناقض هذه التسمية ، وكأن الحق سبحانه وتعالى حينما هيأ للعقول البشرية الواضعة للألفاظ أن يضعوا لهذا الشهر ذلك الاسم ، دل على المشقة التي تعترى الصائم في شهر رمضان ، وبعد ذلك يعطى له سبحانه منزلة تؤكد لماذا سمى ، إنه الشهر الذي أنزل فيه القرآن ، والقرآن إنما جاء منهج هداية للقيم ، والصوم امتناع عن الاقتيات ، فمنزلة الشهر الكريم أنه يربى البدن ويربى النفس ، فناسب أن يوجد التشريع في تربية البدن وتربية القيم مع الزمن الذي جاء فيه القرآن بالقيم ، « شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ » . وإذا سمعت « أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ » فافهم أن هناك كلمات « أنزل » و « نزّل » و « نزل » ، فإذا سمعت كلمة « أنزل » تجدها منسوبة إلى اللّه دائما : إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ( 1 ) ( سورة القدر ) أما في كلمة « نزل » فهو سبحانه يقول : نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ( 193 ) ( سورة الشعراء )