محمد متولي الشعراوي
99
تفسير الشعراوي
ونحن نقول إنه لا خلاف بين علماء المسلمين كما حاول البعض أن يصوره . بل إن كل فريق أخذ الموضوع من زاوية معينة . . بعضهم نظر إلى زاوية المكان ، وبعضهم نظر إلى زاوية الزمان . ولم يختلف العلماء في سور القرآن الكريم ذاته أو آياته . عندما ننظر إلى سورة البقرة نجد أنها من أوائل السور التي نزلت بالمدينة . . ففيها الطابع المدني والطابع المكي . . الطابع المكي في سور القرآن الكريم هو التركيز على العقيدة . . ذلك أن الآيات والسور المكية نزلت ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يواجه الوثنيين عبدة الأصنام ، والكفار الذين لا يؤمنون بدين وعددا من أهل الكتاب الذين ضعفت صلتهم بالسماء لأنهم نسوا ما قاله رسلهم فحرفوه . . وكان لا بد للقرآن أن يواجه هؤلاء جميعا ويبين لهم أنهم على باطل وأنهم يعبدون آلهة لا تنفع ولا تضر . . بل آلهة مصنوعة من أدنى أجناس الأرض وهي الحجارة . . بينما اللّه سبحانه وتعالى ميز الانسان وجعله خليفة في هذا الكون . وكان لا بد للقرآن ان يخبرهم أن هناك بعثا بعد الموت . . وأن هناك جنة ونارا وان الحياة الحقيقية ليست الدنيا ولكنها الآخرة . . وكان لا بد أن يحذرهم من عذاب اللّه . ومن يوم سيلقونه فيه ولا يستطيع أحد منهم هربا من ذلك اليوم العظيم . . وكان لا بد أن يلفتهم إلى آيات اللّه في الكون الدالة على أنه الموجد والخالق . . وأن يواجه ما يأتي به أحبار اليهود من أسئلة ظاهرها الاستفهام ، وحقيقتها محاولة الطعن في الاسلام . وكانوا يظنون أنه ربما يأتي محمد عليه الصلاة والسّلام بشئ من عنده فيخطىء . . فجاء القرآن ليساوى بين البشرية كلها . . فلا فضل لغنى لماله ولا قلة لفقير في الأجر . . بل الناس امام اللّه سواسية كأسنان المشط . كان هذا هو أساس الدعوة في مكة . . ايمان بأنه لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه . وتثبيت للمؤمنين في الفترة التي كانوا فيها قلة وكانوا فيها ضعفاء وكانوا أذلة . وتثبيت الايمان كان يقتضى تذكيرهم دائما بأن اللّه معهم . . وإن ماتوا شهداء دخلوا الجنة بلا حساب . وإن ماتوا على دين الاسلام دخلوا الجنة . ومن يبقى منهم على كفره عذب في النار ، وأن كل مشقة في سبيل اللّه لها أجر في الآخرة حتى يتحملوا المشقة والإيذاء وهم صابرون .