محمد متولي الشعراوي

100

تفسير الشعراوي

وإذا انتقلنا بعد ذلك إلى مجتمع المدينة . . فهناك صورة أخرى ووجه فيها الاسلام بالكفار وعبدة الأوثان ومزورى التوراة من اليهود وعدو جديد هم المنافقون . . وقد كانت هناك عداوة جاهلة في مكة ، أما في المدينة فقد ووجه الاسلام بعداوة عالمة . . وهم المنافقون . . فلم يكن هناك نفاق في مكة ، فالضعيف والمضطهد لا ينافق . . فمنذا الذي كان يدعى في مكة أنه مؤمن وهو كافر . . ليكون عرضة للعذاب والإيذاء والاضطهاد . ولكن في المدينة عندما قوى الاسلام وكانت له دولة ظهر في المجتمع النفاق . واقرأ قول الحق سبحانه وتعالى : وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ ( 101 ) ( سورة التوبة ) وهكذا واجه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في المدينة عداوة من لون جديد . . ليخوض صراعا مع المنافقين واليهود . . وبجانب التوحيد والرد على المنافقين واليهود كان هناك المجتمع الاسلامي . . وكانت هناك مهمة تربية هذا المجتمع لكي ينهض بالدعوة ، وكانت هناك دولة وكانت هناك غزوات ، وكان هناك أحكام بافعل ولا تفعل . كل هذا لم يكن موجودا في مكة ، فقد اقتضى نزول القرآن الكريم في مكة أن تكون آياته في معظمها عن العقيدة وعن الجنة والنار ، وعن الأجر الذي ينتظر المؤمنين في الآخرة ، وعن العذاب الذي ينتظر الكفار . وكانت الآيات في المدينة عن الأحكام والمجتمع الاسلامي والمعاملات وكيفية اتقاء المنافقين . وان كانت الآيات في المدينة لم تهمل العقيدة بل أكدتها . . وعندما جاء جبريل عليه السّلام ليرتب المصحف مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الترتيب الذي نعرفه الآن . . كان الاسلام قد انتشر واعتنقه كثيرون . لذلك كانت المهمة الأولى أن يعرف هؤلاء المسلمون أحكام دينهم . . وما يجب أن يفعلوه وألا يفعلوه . يريد اللّه سبحانه وتعالى أن يعلم المسلمين الذين آمنوا بأنه لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه . . يريد أن يعلمهم أحكام دينهم . فالعقيدة موجودة وبقي أن نعمل ونطبق المنهج في إفعل ولا تفعل .