محمد متولي الشعراوي
87
تفسير الشعراوي
ويكفى أن تراقب قضبان السكة الحديد . . عندما يبدأ القطار في اتخاذ طريق غير الذي كان يسلكه فهو لا ينحرف في أول الأمر إلا بضعة ملليمترات . . أي أن أول التحويلة ضيق جدا وكلما مشيت اتسع الفرق وازداد اتساعا . بحيث عند النهاية تجد أن الطريق الذي مشيت فيه يبعد عن الطريق الأول عشرات الكيلو مترات وربما مئات الكيلو مترات . . إذن فأي انحراف مهما كان بسيطا يبعدك عن الطريق المستقيم بعدا كبيرا . . ولذلك فإن الدعاء : « اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ » أي الطريق الذي ليس فيه إعوجاج ولو بضعة ملليمترات . . الطريق الذي ليس فيه مخالفة تبعدنا عن طريق اللّه المستقيم . لذلك فإن الانسان المؤمن يطلب من اللّه سبحانه وتعالى أن يهديه إلى أقصر الطرق للوصول إلى الغاية . . وما هي الغاية ؟ انها الجنة والنعيم في الآخرة . . ولذلك نقول يا رب اهدنا وأعنا على أن نسلك الطريق المستقيم وهو طريق المنهج ليوصلنا إلى الجنة دون أن يكون فيه أي اعوجاج يبعدنا عنها . ولقد قال اللّه سبحانه وتعالى في حديث قدسي . انه إذا قال العبد : « اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ » يقول جل جلاله : هذا لعبدي ولعبدي ما سأل . يقول الحق تبارك وتعالى : « صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ » ما معنى « الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ » ؟ . . اقرأ الآية الكريمة : وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً ( 69 ) ( سورة النساء ) وأنت حين تقرأ الآية الكريمة فأنت تطلب من اللّه تبارك وتعالى أن تكون مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين . . أي أنك تطلب من اللّه جل جلاله . . أن يجعلك تسلك نفس الطريق الذي سلكه هؤلاء لتكون معهم في الآخرة . . فكأنك تطلب الدرجة العالية في الجنة . . لأن كل من ذكرناهم لهم مقام عال في جنة النعيم . . وهكذا فإن الطلب من اللّه سبحانه وتعالى هو أن يجعلك تسلك الطريق الذي لا اعوجاج فيه . والذي يوصلك في أسرع وقت إلى الدرجة العالية في الآخرة .