محمد متولي الشعراوي
77
تفسير الشعراوي
غيرك من البشر . . ولكن اللّه سبحانه وتعالى قال : « أَ لَمْ تَرَ » . . نقول إن هذه قضية من قضايا الايمان . . فما يقوله اللّه سبحانه وتعالى هو رؤية صادقة بالنسبة للانسان المؤمن . . فالقرآن هو كلام متعبد بتلاوته حتى قيام الساعة . . وقول اللّه : « أَ لَمْ تَرَ » . . معناها ان الرؤية مستمرة لكل مؤمن بالله يقرأ هذه الآية . . فما دام اللّه تبارك وتعالى قال : « أَ لَمْ تَرَ » . . فأنت ترى بإيمانك ما تعجز عينك عن أن تراه . . هذه هي الرؤية الايمانية ، وهي أصدق من رؤية العين . . لأن العين قد تخدع صاحبها ولكن القلب المؤمن لا يخدع صاحبه أبدا . . على أن هناك ما يسمونه ضمير الغائب . . إذا قلت زيد حضر . . فهو موجود أمامك . . ولكن إذا قلت قابلت زيدا . . فكأن زيدا غائب عنك ساعة قلت هذه الجملة . . قابلته ولكنه ليس موجودا معك ساعة الحديث . . اذن فهناك حاضر وغائب ومتكلم . . الغائب هو من ليس موجودا أو لا نراه وقت الحديث . . والحاضر هو الموجود وقت الحديث . . والمتكلم هو الذي يتحدث . وقضايا العقيدة كلها ليس فيها مشاهدة ، ولكن الايمان بما هو غيب عنا يعطينا الرؤية الايمانية التي هي كما قلنا أقوى من رؤية البصر . فالله سبحانه وتعالى حين يقول « الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ » . . « اللَّهِ » غيب و « رَبِّ الْعالَمِينَ » غيب . . و « الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ » . . « غيب » . . و « مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ » غيب . . وكان السياق اللغوي يقتضى أن يقال إياه نعبد . ولكن اللّه سبحانه وتعالى غير السياق ونقله من الغائب إلى الحاضر . . وقال : « إِيَّاكَ نَعْبُدُ » فانتقل الغيب إلى حضور المخاطب . . فلم يقل إياه نعبد . . ولكنه قال : « إِيَّاكَ نَعْبُدُ » . . فأصبحت رؤية يقين ايمانى . فأنت في حضرة اللّه سبحانه وتعالى الذي غمرك بالنعم ، وهذه تراها وتحيط بك لأنه « رَبِّ الْعالَمِينَ » . . وجعلك تطمئن إلى قضائه لأنه « الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ » أي أن ربوبيته جل جلاله ليست ربوبية جبروت بل هي ربوبية « الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ » فإذا لم