محمد متولي الشعراوي

580

تفسير الشعراوي

وعندما أراد إبراهيم أن يقيم القواعد من البيت كان يكفى أن يقيمها على قدر طول قامته ولكنه أتى بالحجر ليزيد القواعد بمقدار ارتفاع الحجر . . ويريد اللّه سبحانه وتعالى بمقام إبراهيم واتخاذه مصلى أن يلفتنا إلى أن الإنسان المؤمن لا بد أن يعشق التكليف . . فلا يؤديه شكلا ولكن يؤديه بحب ويتحايل ليزيد تطوعا من جنس ما فرض اللّه عليه . ان الحجر الموجود في مقام إبراهيم إنما هو دليل على عشقه عليه السّلام لتكاليف ربه ومحاولته أن يزيد عليها . وإن الحجر الذي كان يقف عليه إبراهيم به حفر على شكل قدميه . . وهما بين قائل أن الحجر لان تحت قدمي إبراهيم من خشية اللّه . . وبين قائل إن إبراهيم هو الذي قام بحفر مكان في الحجر على هيئة قدميه . . حتى إذا وقف عليه ورفع يده إلى أعلى ما يمكن ليعلى القواعد من البيت كان توازنه محفوظا . وقوله تعالى : « طَهِّرا بَيْتِيَ » دليل على أن البيت زالت معالمه تماما وأصبح مثل سائر الأرض فذبحت فيه الذبائح وألقيت المخلفات ، فأمر اللّه سبحانه وتعالى أن يطهر هو وإسماعيل البيت من كل هذا الدنس ويجعله مكانا لثلاث طوائف : « الطائفين » وهذه مأخوذة من الطواف وهو الدوران حول الشئ . . ولذلك يسمون شرطة الحراسة بالليل طوافة لأنهم يطوفون في الشوارع في أثناء الليل . واللّه جل جلاله يقول : فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ ( 19 ) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ ( 20 ) ( سورة القلم ) وهذه هي قصة الحديقة التي منع أولاد الرجل الصالح بعد وفاته حق الفقراء والمساكين فيها فأرسل اللّه سبحانه من طاف بها . . أي مشى في كل جزء منها فأحرق أشجارها . . فالطائف هو الذي يطوف . . « وَالْعاكِفِينَ » هم المقيمون « وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ » هم المصلون فتطهير البيت للطواف به والإقامة والصلاة فيه . . وهو مطهر أيضا لأنه سيكون قبلة للمسلمين لكل راكع أو ساجد في الأرض حتى قيام الساعة .