محمد متولي الشعراوي

556

تفسير الشعراوي

ولو أن الذين لا يعلمون قالوا ولم يقل الذين يعلمون لهان الأمر . . وقلنا جهلهم هو الذي أوحى إليهم بما قالوا . . ولكن ما عذر الذين علموا وعندهم كتاب أن يقولوا أرنا اللّه جهرة . . إذن فهناك شئ مشترك بينهم تشابهت قلوبهم في الهوى . . إن مصدر كل حركة سلوكية أو حركة جارحة إنما هو القلب الذي تصدر عنه دوافع الحركة . . وما دام القلب غير خالص للّه فيستوى الذي يعلم والذي لا يعلم . ثم يقول الحق سبحانه وتعالى : « قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ » . . ما هو اليقين ؟ هو استقرار القضية في القلب استقرارا لا يحتمل شكا ولا زلزلة . . ولا يمكن أن تخرج القضية مرة أخرى إلى العقل . . لتناقش من جديد لأنه أصبح يقينا . . واليقين يأتي من إخبار من تثق به وتصبح أخباره يقينا . . فإذا قال اللّه قال اليقين . . وإذا قال الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم فكلامه حق . . ولذلك من مصداقية الإيمان أن سيدنا أبا بكر رضى اللّه عنه . . عندما قيل له إن صاحبك يقول إنه صعد به إلى السماء السابعة وذهب إلى بيت المقدس في ليلة واحدة . . قال إن كان قد قال فقد صدق . إن اليقين عنده نشأ من إخبار من يثق فيه وهذا نسميه علم يقين . . وقد يرتقى الأمر ليصير عين يقين . . عندما ترى الشئ بعينك بعد أن حدثت عن رؤية غيرك له . . ثم تدخل في حقيقة الشئ فيصبح حق يقين . . إذن اليقين علم إذا جاء عن إخبار من تثق به . . وعين يقين إذا كان الأمر قد شوهد مشاهدة العين . . وحق يقين هو أن تدخل في حقيقة الشئ . . واللّه سبحانه وتعالى يشرح هذا في قوله تعالى : أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ ( 1 ) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ ( 2 ) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ( 3 ) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ( 4 ) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ ( 5 ) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ( 6 ) ( سورة التكاثر ) هذه هي المرحلة الأولى أن يأتينا علم اليقين من اللّه سبحانه وتعالى . . ثم تأتى المرحلة الثانية في قوله تبارك وتعالى : ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ ( 7 ) ( سورة التكاثر )