محمد متولي الشعراوي

550

تفسير الشعراوي

أن يميزها خبراء التسجيل . . وبصمة رائحة قد لا نميزها نحن ولكن تميزها الكلاب المدربة . . فتشم الشئ ثم تسرع فتدلنا على صاحبه ولو كان بين ألف من البشر . . وبصمة شفرة تجعل الجسد يعرف بعضه بعضا . . فإن جئت بخلية من جسد آخر لفظها . وإن جئت بخلية من الجسد نفسه اتحد معها وعالج جراحها . وإذا كان هذا بعض ما وصل إليه العلم . . فإن هناك الكثير مما قد نصل إليه ليؤكد لنا أنه رغم تشابه بلايين الأشخاص . . فإن لكل واحد ما يميزه وحده ولا يتكرر مع خلق اللّه كلهم . . وهذا هو الإعجاز في الخلق ودليل على طلاقة قدرة اللّه في كونه . واللّه سبحانه وتعالى يعطينا المعنى العام في القرآن الكريم بأن هذا من آياته وأنه لم يحدث مصادفة ولم يأت بطريق غير مخطط بل هو معد بقدرة اللّه سبحانه . . فيقول جل جلاله : وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ ( 22 ) ( سورة الروم ) هذا الاختلاف يمثل لنا طلاقة قدرة اللّه سبحانه في الخلق على غير مثال . . فكل مخلوق يختلف عمن قبله وعمن بعده وعمن حوله . . مع أنهم في الشكل العام متماثلون . . ولو أنك جمعت الناس كلهم منذ عهد آدم إلى يوم القيامة تجدهم في صورة واحدة . . وكل واحد منهم مختلف عن الآخر . . فلا يوجد بشران من خلق اللّه كل منهما طبق الأصل من الآخر . . هذه دقة الصنع وهذا ما نفهمه من قوله تعالى : « بَدِيعُ » . . والدقة تعطى الحكمة . . والإبراز في صور متعددة يعطى القدرة . . ولذلك بعد أن نموت وتتبعثر عناصرنا في التراب يجمعنا اللّه يوم القيامة . . والإعجاز في هذا الجمع هو أن كل انسان سيبعث من عناصره نفسها وصورته نفسها وهيئته نفسها التي كان عليها في الدنيا . ولذلك قال الحق سبحانه : قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ ( 4 ) ( سورة ق )