محمد متولي الشعراوي

504

تفسير الشعراوي

يجعلاك تشرك باللّه فصاحبهما في الدنيا معروفا . . وطبعا الوالدان اللذان يحاولان دفع ابنهما إلى الكفر إنما يحاربان اللّه ورسوله . . كيف يتم هذا التناقض ؟ . نقول إنكم لم تفهموا المعنى . . إن الإنسان يصنع المعروف فيمن يحب ومن لا يحب كما قلنا . . فقد تجد إنسانا في ضيق وتعطيه مبلغا من المال كمعروف . . دون أن يكون بينك وبينه أي صلة . . أما الود فلا يكون إلا مع من تحب . إذن : « ما يَوَدُّ » معناها حب القلب . . أي أن قلوب اليهود والنصارى والمشركين لا تحب لكم الخير . . إنهم يكرهون أن ينزل عليكم خير من ربكم . . بل هم في الحقيقة لا يريدون أن ينزل عليكم من ربكم أي شئ مما يسمى خيرا . . والخير هو وحى اللّه ومنهجه ونبوة رسول صلّى اللّه عليه وسلّم . وقوله تعالى : « مِنْ خَيْرٍ » . . أي من أي شئ مما يسمى خير . . فأنت حين تذهب إلى إنسان وتطلب منه مالا يقول لك ما عندي مال . . أي لا أملك مالا ، ولكنه قد يملك جنيها أو جنيهين . . ولا يعتبر هذا مالا يمكن أن يوفى بما تريده . . وتذهب إلى رجل آخر لنفس الغرض تقول أريد مالا . . يقول لك ما عندي من مال . . أي ليس عندي ولا قرش واحد ، ما عندي أي مبلغ مما يقال له مال حتى ولو كان عدة قروش . واللّه سبحانه وتعالى يريدنا أن نفهم أن أهل الكتاب والكفار والمشركين . . مشتركون في كراهيتهم للمؤمنين . . حتى إنهم لا يريدون أن ينزل عليكم أي شئ من ربكم مما يطلق عليه خير . وقوله تعالى : « مِنْ رَبِّكُمْ » . . تدل على المصدر الذي يأتي منه الخير من اللّه . . فكأنهم لا يحبون أن ينزل على المؤمنين خير من اللّه . . وهو المنهج والرسالة . ثم يقول الحق تبارك وتعالى : « وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ » . . أي أن الخير لا يخضع لرغبة الكافرين وأمانيهم . . واللّه ينزل الخير لمن يشاء . . واللّه قد قسم بين الناس أمور حياتهم الدنيوية . . فكيف يطلب الكافرون أن يخضع اللّه منهجه لإرادتهم ؟ واقرأ قوله تبارك وتعالى : وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ( 31 ) أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ( 32 )