محمد متولي الشعراوي

505

تفسير الشعراوي

( سورة الزخرف ) اعترض الكفار على نزول القرآن على محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وقالوا لو نزل على رجل من القريتين عظيم . . فيرد عليهم اللّه سبحانه وتعالى . . أنتم لا تقسمون رحمة اللّه ولكن اللّه يقسم بينكم حياتكم في الدنيا . الحق تبارك وتعالى في الآية التي نحن بصددها يقول : « وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ » . . ساعة تقرأ كلمة يختص تفهم أن شيئا خصص لشئ دون غيره . . يعنى أنني خصصت فلانا بهذا الشئ : « وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ » . . أي يعطى الرحمة لمن يشاء لكي يؤدى مهمته أو ينزل رحمته على من يشاء ، فليس لهؤلاء الكفار أن يتحكموا في مشيئة اللّه ، وحسدهم وكراهيتهم للمؤمنين لا يعطيهم حق التحكم في رحمة اللّه . . ولذلك أراد اللّه أن يرد عليهم بأن هذا الدين سينتشر ويزداد المؤمنون به . . وسيفتح اللّه به أقطارا ودولا . . وسيدخل الناس فيه أفواجا وسيظهره على الدين كله . ولو تأملنا أسباب انتصار أي عدو على من يعاديه لوجدنا إنها إما أسباب ظاهرة واضحة وإما مكر وخداع . . بحيث يظهر العدو لعدوه أنه يحبه ويكيد له في الخفاء حتى يتمكن منه فيقتله . . ولقد هاجر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى المدينة سرا . . لماذا ؟ لأن اللّه أراد أن يقول لقريش لن تقدروا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ولو بالمكر والخداع والتبييت . . هم بيتوا الفتية ليقتلوه . . وجاءوا من كل قبيلة بفتى ليضيع دمه بين القبائل . . وخرج صلّى اللّه عليه وسلّم ووضع التراب على رؤوس الفتية . . اللّه أرادهم أن يعرفوا انهم لن يقدروا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بالمكر والتبييت والخداع ولا بالعداء الظاهر . قوله تعالى : « وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ » . . الفضل هو الأمر الزائد عن حاجتك الضرورية . . ولذلك يقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : ( من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له ومن كان معه فضل زاد فليعد به على من لا زاد له ) « 1 » .

--> ( 1 ) رواه مسلم في اللقطة وأبو داود في الزكاة وأحمد في المسند .