محمد متولي الشعراوي
495
تفسير الشعراوي
سبحانه وتعالى . . فأرسل الملكين ببابل هاروت وماروت ليعلما الناس السحر . الذي يخضع الأعلى عنصرا للأدنى . واقرأ قوله سبحانه : « وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ » . . فاللّه تبارك وتعالى أرسل الملكين هاروت وماروت ليعلما الناس السحر . . ولقد رويت عن هذين الملكين قصص كثيرة . . ولكن ما دام اللّه سبحانه وتعالى قد أرسل ملكين ليعلما الناس السحر . . فمعنى ذلك أن السحر علم يستعين فيه الإنسان بالشياطين . . وقيل إن الملائكة قالوا عن خلق آدم كما يروى لنا القرآن الكريم : قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ( من الآية 30 سورة البقرة ) حينئذ طلب الحق جل جلاله من الملائكة . . أن يختاروا ملكين ليهبطا إلى الأرض لينظروا ماذا يفعلان ؟ فاختاروا هاروت وماروت . . وعندما نزلا إلى الأرض فتنتهما امرأة فارتكبا الكبائر . هذه القصة برغم وجودها في بعض كتب التفسير ليست صحيحة . . لأن الملائكة بحكم خلقهم لا يعصون اللّه . . ولأنه من تمام الإيمان أن يؤدى المخلوق كل ما كلّف به من اللّه جل جلاله . . وهذان الملكان كلفا بأن يعلما الناس السحر . . وأن يحذرا بأن السحر فتنة تؤدى إلى الكفر وقد فعلا ذلك . . والفتنة هي الامتحان . . ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى : « وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ » . . إذن فهذان الملكان حذرا الناس من أن ما يعلمانه من السحر فتنة تؤدى إلى الكفر . . وإنها لا تنفع إلا في الشر وفي التفريق بين الزوج وزوجه . . وإن ضررها لا يقع إلا بإذن اللّه . . فليس هناك أي قوى في هذا الكون خارجة عن مشيئة اللّه سبحانه وتعالى . . ثم يأتي قول الحق تبارك وتعالى : « وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا