محمد متولي الشعراوي
480
تفسير الشعراوي
ويروى أن سيدنا عمر بن الخطاب كان له أرض في أعلى المدينة . . وكان حين يذهب إليها يمر على مدارس اليهود ويجلس إليهم . . وظن اليهود ان مجلس عمر معهم إنما يعبر عن حبه لهم . . فقالوا له إننا نحبك ونحترمك ونطمع فيك . . ففهم عمر مرادهم فقال واللّه ما جالستكم حبا فيكم . . ولكني أحببت أن أزداد تصورا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأعلم عنه ما في كتابكم . . فقالوا له ومن يخبر محمدا بأخبارنا وأسرارنا ؟ فقال عمر إنه جبريل ينزل عليه من السماء بأخباركم . . قالوا هو عدونا . . فقال عمر كيف منزلته من اللّه ؟ قالوا إنه يجلس عن يمين اللّه وميكائيل يجلس عن يسار اللّه . . فقال عمر ما دام الأمر كما قلتم فليس أحدهما عدوا للآخر لأنهما عند اللّه في منزلة واحدة . . فمن كان عدوا لأحدهما فهو عدو للّه . . فلن تشفع لكم عداوتكم لجبريل ومحبتكم لميكائيل لأن منزلتهما عند اللّه عالية . إن عداوتهم لجبريل عليه السّلام تؤكد ماديتهم . . فهم يقيسون الأمر على البشر . . إن الذي يجلس على يمين السيد ومن يجلس على يساره يتنافسان على المنزلة عنده . . ولكن هذا في دنيا البشر . . ولكن عند الملائكة لا شئ من هذا . . اللّه عنده ما يجعله يعطى لمن يريد المنزلة العالية دون أن ينقص من الآخر . . ثم إن اللّه سبحانه وتعالى اسمه الحق . . وما ينزل به جبريل حق وما ينزل به ميكائيل حق . . والحق لا يخاصم الحق . . وقال لهم عمر أنتم أشدّ كفرا من الحمير . . ثم ذهب إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فلم يكد الرسول يراه حتى قال له وافقك ربك يا عمر . . وتنزل قول اللّه تبارك وتعالى : « قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ » فقال عمر يا رسول اللّه . . إني بعد ذلك في إيماني لأصلب من الجبل . إذن فقولهم ميكائيل حبيبنا وجبريل عدونا من الماديات ، واللّه تبارك وتعالى يقول لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم . . إنهم يعادون جبريل لأنه نزل على قلبك بإذن اللّه . . وما دام نزل من عند اللّه على قلبك . . فلا شأن لهم بهذا . . وهو مصدق لما بين يديهم من التوراة . . وهو هدى وبشرى للمؤمنين . . فأي عنصر من هذه العناصر تنكرونه على جبريل . . إن عداوتكم لجبريل عداوة للّه سبحانه وتعالى .