محمد متولي الشعراوي

446

تفسير الشعراوي

فكأن اللّه سبحانه وتعالى جعل الذكورة والأنونة هما السبب في الإنجاب . . ولكنه جعل طلاقة القدرة مهيمنة على الأسباب . . فيأتي رجل وامرأة ويتزوجان ولكنهما لا ينجبان . . فكأن الأسباب نفسها عاجزة عن أن تفعل شيئا إلا بإرادة المسبب . واللّه سبحانه وتعالى يقول : « وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ » . . لماذا قال الحق تبارك وتعالى : « وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ » . . ألم يكن باقي الرسل والأنبياء مؤيدين بروح القدس ؟ نقول : لقد ذكر هنا تأييد عيسى بروح القدس لأن الروح ستشيع في كل أمر له . . ميلادا ومعجزة وموتا . . والروح القدس هو جبريل عليه السّلام لم يكن يفارقه أبدا . . لقد جاء عيسى عليه السّلام على غير مألوف الناس وطبيعة البشر مما جعله معرضا دائما للهجوم . . ولذلك لا بد أن يكون الوحي في صحبته لا يفارقه . . ليجعل من مهابته على القوم ما يرد الناس عنه . . وعندما يتحدث القرآن انه رفع إلى السماء . . اختلف العلماء هل رفع إلى السماء حيا ؟ أو مات ثم رفع إلى السماء ؟ نقول : لو أننا عرفنا أنه رفع حيا أو مات فما الذي يتغير في منهجنا ؟ لا شئ . . وعندما يقال إنه شئ عجيب أن يرفع إنسان إلى السماء ، ويظل هذه الفترة ثم يموت . . نقول إن عيسى ابن مريم لم يتبرأ من الوفاة . . إنه سيتوفّى كما يتوفّى سائر البشر . . ولكن هل كان ميلاده طبيعيا ؟ الإجابة لا . . إذن فلماذا تتعجب إذا كانت وفاته غير طبيعية ؟ لقد خلق من أم بدون أب . . فإذا حدث أنه رفع إلى السماء حيا وسينزل إلى الأرض فما العجب في ذلك ؟ ألم يصعد رسولنا صلّى اللّه عليه وسلّم إلى السماء حيا ؟ ثم نزل لنا بعد ذلك إلى الأرض حيا ؟ لقد حدث هذا لمحمد عليه الصلاة والسّلام . . إذن فالمبدأ موجود . . فلماذا تستبعد صعود عيسى ثم نزوله في آخر الزمان ؟ والفرق بين محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وعيسى هو أن محمدا لم يمكث طويلا في السماء ، بينما عيسى بقي . . والخلاف على الفترة لا ينقض المبدأ . عن ابن المسيب أنه سمع أبا هريرة رضى اللّه عنه يقول قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ( والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم صلّى اللّه عليه وسلّم حكما مقسطا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد ) « 1 » .

--> ( 1 ) رواه البخاري في المظالم ومسلم في الإيمان وأبو داود في الملاحم والترمذي في الفتن وابن ماجة في الفتن ورواه أحمد في المسند .