محمد متولي الشعراوي

439

تفسير الشعراوي

تعاونون عليهم وأنتم أهل دين واحد : « بِالْإِثْمِ » . . والإثم هو الشئ الخبيث الذي يستحى منه الناس : « وَالْعُدْوانِ » . . أي التعدي بشراسة . . وقوله تعالى : « وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ » . . إي تخرجوهم من ديارهم وتأخذوا الفدية لترجعوها إليهم . ثم يقول اللّه تبارك وتعالى : « أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ » . . أي تأخذون القضية على أساس المصلحة الدنيوية . . وتقسمون أنفسكم مع الأوس أو الخزرج . . تفعلون ذلك وأنتم مؤمنون بإله ورسول وكتاب . . مستحيل أن يكون دينكم أو نبيكم قد أمركم بهذا . ثم يقول الحق سبحانه وتعالى : « فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا » أي إنكم فعلتم ذلك وخالفتم لتصلوا إلى مجد دنيوي ولكنكم لم تصلوا إليه . . سيصيبكم اللّه بخزى في الدنيا . . أي أن الجزاء لن يتأخر إلى الآخرة بل سيأتيكم خزى وهو الهوان والذل في الدنيا . . وماذا في الآخرة ؟ يقول اللّه تعالى : « وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ » الخزي في الدنيا أصابهم على يد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين . . وأخرج بنو قينقاع من ديارهم في المدينة . . كذلك ذبح بنو قريظة بعد أن خانوا العهد وخانوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم والمسلمين . . وهكذا لا يؤخر اللّه سبحانه وتعالى جزاء بعض الذنوب إلى الآخرة . . وجزاء الظلم في الدنيا لا يؤجل إلى الآخرة ، لأن المظلوم لا بد أن يرى مصرع ظالميه حتى يعتدل نظام الكون . . ويعرف الناس أن اللّه موجود وأنه سبحانه لكل ظالم بالمرصاد . . اليهود أتاهم خزى الدنيا سريعا : « يَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ » . قد يتساءل الناس ألا يكفيهم الخزي في الدنيا عن عذاب الآخرة ؟ نقول لا . . لأن الخزي لم ينلهم في الدنيا حدا . . ولم يكن نتيجة إقامة حدود اللّه عليهم . . فالخزى حين ينال الإنسان كحد من حدود اللّه يعفيه من عذاب الآخرة . . فالذي سرق وقطعت يده والذي زنا ورجم . . هؤلاء نالهم عذاب من حدود اللّه فلا يحاسبون في الآخرة . . أما الظالمون فالأمر يختلف . . لذلك فإننا نجد إناسا من الذين ارتكبوا إثما في الدنيا يلحون على إقامة الحد عليهم لينجوا من عذاب الآخرة . . مع أنه لم يرهم أحد أو يعلم بهم أحد أو يشهد عليهم أحد . .