محمد متولي الشعراوي
43
تفسير الشعراوي
فوق مستوى البشرية كلها . على أننا نبدأ أيضا تلاوة القرآن بسم اللّه . . لأن اللّه تبارك وتعالى هو الذي أنزله لنا . . ويسر لنا أن نعرفه ونتلوه . . فالأمر لله علما وقدرة ومعرفة . . واقرأ قول الحق سبحانه وتعالى : قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 16 ) ( سورة يونس ) لذلك أنت تقرأ القرآن باسم اللّه لأنه جل جلاله هو الذي يسره لك كلاما وتنزيلا وقراءة . . ولكن هل نحن مطالبون أن نبدأ فقط تلاوة القرآن بسم اللّه ؟ . . . إننا مطالبون أن نبدأ كل عمل باسم اللّه . لأننا لا بد أن نحترم عطاء اللّه في كونه . فحين نزرع الأرض مثلا . . لا بد أن نبدأ بسم اللّه . . لأننا لم نخلق الأرض التي نحرثها . . ولا خلقنا البذرة التي نبذرها . ولا أنزلنا الماء من السماء لينمو الزرع . ان الفلاح الذي يمسك الفأس ويرمى البذرة قد يكون أجهل الناس بعناصر الأرض ومحتويات البذرة وما يفعله الماء في التربة لينمو الزرع . . إن كل ما يفعله الانسان هو أنه يعمل فكره المخلوق من اللّه في المادة المخلوقة من اللّه . . بالطاقة التي أوجدها اللّه في أجسادنا ليتم الزرع . والانسان لا قدرة له على إرغام الأرض لتعطيه الثمار . . ولا قدرة له على خلق الحبة لتنمو وتصبح شجرة . ولا سلطان له على إنزال الماء من السماء . . فكأنه حين يبدأ العمل باسم اللّه ، يبدؤه باسم اللّه الذي سخر له الأرض . . وسخر له الحب ، وسخر له الماء ، وكلها لا قدرة له عليها . . ولا تدخل في طاقته ولا في استطاعته . . فكأنه يعلن أنه يدخل على هذه الأشياء جميعا باسم من سخرها له . . واللّه تبارك وتعالى سخر لنا الكون جميعا وأعطانا الدليل على ذلك . فلا تعتقد أن لك قدرة أو ذاتية في هذا الكون . . ولا تعتقد ان الأسباب والقوانين في الكون لها ذاتية . بل هي تعمل بقدرة خالقها . الذي إن شاء أجراها وإن شاء أوقفها .