محمد متولي الشعراوي

364

تفسير الشعراوي

ماذا طلبوا ؟ . . قالوا : « فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ » . . « فَادْعُ لَنا رَبَّكَ » أي أطلب من اللّه . . ولأن الدعاء لون من الطلب فإنك حين تتوجه إلى اللّه طالبا أن يعطيك . . فإنك تدعو بذلة الداعي أمام عزة المدعو . . والطلب إن كان من أدنى إلى أعلى قيل دعاء . . ومن مساو إلى مساو قيل طلب . . ومن أعلى إلى أدنى قيل أمر . . لقد طلب بنو إسرائيل من موسى أن يدعو اللّه سبحانه وتعالى أن يخرج لهم أطعمة مما تنبت الأرض . . وعددوا ألوان الأطعمة المطلوبة . . وقالوا : « مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها » . . ولكنها كلها أصناف تدل على أن من يأكلها هم من صنف العبيد . . والمعروف أن آل فرعون إستعبدوا بني إسرائيل . . ويبدو أن بني إسرائيل أحبوا حياة العبودية واستطعموها . . الحق تبارك وتعالى كان يريد أن يرفع قدرهم فنزل عليهم المن والسلوى . . ولكنهم فضلوا طعام العبيد . . والبقل ليس مقصودا به البقول فحسب . . ولكنه كل نبات لا ساق له مثل الخس والفجل والكرات والجرجير . . والقثاء هو القتة صنف من الخيار . . والفوم هو القمح أو الثوم . والعدس والبصل معروفان . . واللّه سبحانه وتعالى قبل أن يجيبهم أراد أن يؤنبهم : فقال « أَ تَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ » . . عندما نسمع كلمة استبدال فاعلم أن الباء تدخل على المتروك . . تقول اشتريت الثوب بدرهم . . يكون معنى ذلك إنك أخذت الثوب وتركت الدرهم . قوله تعالى : « الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ » . . أي انهم تركوا الذي هو خير وهو المن والسلوى . . وأخذوا الذي هو أدنى . . والدنو هنا لا يعنى الدناءة . . لأن ما تنتجه الأرض من نعم اللّه لا يمكن أن يوصف بالدناءه . . ولكن اللّه تبارك وتعالى يخلق بالأسباب ويخلق بالأمر المباشر . . ما يخلقه اللّه بالأمر المباشر منه بكلمة « كن » . . يكون خيرا مما جاء بالأسباب . . لأن الخلق المباشر لا صفة لك فيه . . عطاء خالص من اللّه . . أما الخلق بالأسباب فقد يكون لك دور فيه . . كأن تحرث الأرض أو تبذر البذور . . ما جاء خالصا من اللّه بدون أسبابك يقترب