محمد متولي الشعراوي
300
تفسير الشعراوي
يعلمون . نأتى مثلا إلى قول الحق تبارك وتعالى لليهود : وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ( من الآية 58 سورة البقرة ) وحطة أي حط عنا يا رب ذنوبنا . يأتي اليهود ويغيرون قول اللّه . فبدلا من أن يقولوا حطة . يقولوا حنطة . من يسمع هذا اللفظ قد لا يتنبه ويعتقد أنهم قالوا ما أمرهم اللّه به . مع أن الواقع أنهم حرفوه . ولذلك عندما كانوا يأتون إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كانوا يقولون : راعنا ليا بألسنتهم . وكان المفروض أن يقولوا راعينا . . ولكنهم قالوا راعنا من الرعونة . . واللّه تعالى نبه المؤمنين برسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ألا يقولوا مثلهم . فقال جل جلاله : « لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا » . أي اتركوا هذه الكلمة نهائيا ، هذا لبس الحق بالباطل . اذن فاليهود ألبسوا الحق بالباطل . والانسان لا يلبس الحق بالباطل . . إلا إذا كان لا يستطيع مواجهة الحق . لأن عدم القدرة على مواجهة الحق ضعف نفرّ منه إلى الباطل ، لأن الحق يتعب صاحبه . . والانسان لا يستطيع أن يحمل نفسه على الحق . وقوله تعالى : « وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ » أي أنهم يفعلون ذلك عن عمد وليس عن جهل . فقد يكتم الانسان حقا وهو لا يعلم أنه الحق ولكن إذا كنت تعلمه فتلك هي النكبة لأنك تخفيه عامدا متعمدا . أو وأنتم تعلمون . قد يكون معناها أن اليهود - وهم أهل كتاب - يعلمون ما سيصيبهم في الآخرة من العذاب الأليم . بسبب اخفائهم الحق . فهم لا يجهلون ماذا سيحدث في الآخرة . ولكنهم يقدمون على عملهم مع علمهم أنه خطأ فيكون العذاب حقا .