محمد متولي الشعراوي
264
تفسير الشعراوي
ثم جاء النهى . في قوله تعالى : « وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ » أي لا تقتربا من مكانها . ولكن لماذا لم يقل الحق سبحانه وتعالى ولا تأكلا من هذه الشجرة ؟ . لأن اللّه جل جلاله رحمة بآدم وزوجه كان لا يريدهما أن يقعا في غواية المعصية . فلو أنه قال : ولا تأكلا من هذه الشجرة لكان مباحا لهما أن يقتربا منها فتجذبهما بجمال منظرها ويقتربا من ثمارها فتفتنهما برائحتها العذبة ولونها الجذاب . حينئذ يحدث الاغواء . وتمتد أيديهما تحت هذا الاغراء إلى الشجرة ليأكلا منها . ولكن اللّه تعالى يعلم أن النفس البشرية إذا حرم عليها شئ ولم تحم حوله كان ذلك أدعى ألا تفعله . فالله تعالى حين حرم الخمر لم يقل حرمت عليكم الخمر والا كنا جلسنا في مجالس الخمر ومع الذين يشربونها . أو نتاجر فيها وهذا كله اغراء بشرب الخمر . . ولكنه قال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 90 ) ( سورة المائدة ) هذا النص الكريم قد جعلنا نبتعد عن الأماكن التي فيها الخمور . فلا نجلس مع من يشربونها ، ولا نتاجر فيها حتى لا نقع في المعصية . فإذا رأيت مكانا فيه خمر فابتعد عنه في الحال . حتى لا يغريك منظر الخمر وشاربها بأن تفعل مثله . والحق جل جلاله يقول في المحرمات : « لا تَقْرَبُوا » واجتنبوا . . أي لا تحوموا حولها . لأنها إذا كانت غائبة عنك فلا تخطر على بالك فلا تقع فيها . ولذلك يقول الرسول صلى اللّه عليه وسلم : ( إنّ الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعى يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه ألا وإن لكل ملك حمى حمى اللّه محارمه ) « 1 »
--> ( 1 ) ( رواه البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير ) .