محمد متولي الشعراوي
226
تفسير الشعراوي
فالحق تبارك وتعالى أخبرنا عن مرحلة في الخلق لم نشهدها . . ولكن الموت شئ مشهود لنا جميعا . . وما دام مشهودا لنا ، يأتي الحق سبحانه وتعالى به كدليل على مراحل الخلق التي لم نشهدها . . فالموت نقض للحياة . . والحياة أخبرنا اللّه تبارك وتعالى بأطوارها . . ولكنها غيب لم نشهده . . ولكن الذي خلق قال أنا خلقتك من تراب . . من طين . من حمأ مسنون . من صلصال كالفخار . . فالماء وضع على تراب فأصبح طينا . . والطين تركناه فتغير لونه وأصبح صلصالا . . الصلصال . . جف فأصبح حمأ مسنونا ، ثم نحته في صورة انسان ونفخ الحق سبحانه وتعالى فيه الروح فأصبح بشرا . . ثم يأتي الموت وهو نقض للحياة . . ونقض كل شئ يأتي على عكس بنائه . . بناء العمارة يبدأ من أسفل إلى أعلى . . وهدمها يبدأ من أعلى إلى أسفل . . ولذلك فان آخر مرحلة من رحلة ما . . هي أول خطوة في طريق العودة . . فإذا كنت مسافرا إلى الإسكندرية . . فأول مكان في طريق العودة هو آخر مكان وصلت اليه . أول شئ يخرج من الجسد هو الروح وهو آخر ما دخل فيه . . ثم بعد ذلك يتصلب الجسد ويصبح كالحمأ المسنون . . ثم يتعفن فيصبح كالصلصال . . ثم يتبخر الماء الذي فيه فيعود ترابا . . وهكذا يكون الموت نقض صورة الحياة . . متفقا مع المراحل التي بينها لنا الحق سبحانه وتعالى . . وقوله تعالى : « ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ » . . أي أن اللّه تبارك وتعالى يبعثكم ليحاسبكم . . لقد حاول الكفار والملحدون وأصحاب الفلسفة المادية ان ينكروا قضية البعث . . وهم في هذا لم يأتوا بجديد . . بل جاءوا بالكلام نفسه الذي قاله أصحاب الجاهلية الأولى . . واقرأ قوله تعالى عما يقوله أصحاب الجاهلية الأولى : وَقالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ ( من الآية 24 سورة الجاثية ) وأمنية الكافر والمسرف على نفسه . . الا يكون هناك بعث أو حساب . . والذين يتعجبون من ذلك نقول لهم : ان اللّه سبحانه وتعالى الذي أوجدكم من عدم